أردوغان : نموذج للإسلام السياسي المطلوب

0
84

الكاتب: مراد بلميلود

     ثابت تاريخيا أن العلاقات بين الكيان الصهيوني و‌جمهورية تركيا  تأسست سنة 1949، عندما أصبحت جمهورية تركيا أول بلد ذي أغلبية مسلمة يعترف بإسرائيل ، سنة بعد حرب 1948 التي نشبت في فلسطين بين كل من المملكة الأردنية و المملكة المصرية و مملكة العراق وسوريا و لبنان و المملكة العربية السعودية ضد المليشيات الصهيونية في فلسطين . كما خاضت الدول العربية مجتمعة أو منفردة حروبا ومواجهات مع الكيان الصهيوني ، منها ما انتهى بنكسة ومنها ما انتهى بنكبة ، قبل أن تصاب الشعوب بالفقسة بعد انبطاح العديد من الدول المسماة عربية كالبحرين والإمارات والسعودية و سلطنة قابوس ، وقبلهما الأردن ومصر والمغرب وقطر وموريتانيا  . 

   منذ ذلك الوقت، أصبحت دولة إسرائيل هي المورد الرئيسي للسلاح لتركيا ، إذ حققت حكومتا البلدين تعاونًا مهمًا في المجالات العسكرية و الدبلوماسيةو الإستراتيجية . كما يتفق البلدان حول الكثير من الاهتمامات المشتركة والقضايا التي تخص الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط ، حيث قام رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان سنة  2005 بزيارة مهمة إلى إسرائيل التقى خلالها مجرم الحرب رئيس الوزراء أرييل شارون ومسؤولين صهاينة آخرين .

    فكانت تركيا قبل أردوغان إلى جانب العدو الصهيوني ، تعاكس الطموح التحرري للناصرية بمصر والبعثية بسوريا والعراق ، ولمقاومة كل الشعوب العربية والمغاربية من المحيط إلى الخليج ، وعلى رأسها المقاومة الشعبية بلبنان . كما استمرت تركيا في خدمة العدو الصهيوني مع أردوغان ، من خلال لعب أدوار قذرة استهدفت أمن واستقرار سوريا ، ومن خلالها معسكر المقاومة والممانعة (حزب الله سوريا إيران ) . لذلك ، لا يمكن أن تكون خرجات زعيم حزب العدالة والتنمية التركي إلا فرقعات إعلامية تدغدغ عواطف الشعوب المسلمة ، وتضفي على صاحبها طابع المدافع عن فلسطين والإسلام والمسلمين ، سواء من خلال مجادلة الصهاينة في الندوات الدولية (تطبيع)، أو تنظيم قوافل لفك الحصار عن غزة (دراما مسرحية ) . لأن الدفاع عن فلسطين طريقه واضح ، وتركيا بعيدة كل البعد عن هذا المسار لأن تكلفته باهضة الثمن ، وأردوغان لا يستطيع دفعه .

    وعلى سبيل التذكير ، نسترجع ما عاشته الجزائر من حرب أهلية سنة 1992 ، و جلوس ياسر عرفات للتفاوض مع العدو الصهيوني سنة 1993 ، والحرب اليمنية بين الشمال والجنوب التي انتهت بتوحيد اليمن سنة 1994، والتآمر على الوحدة الوطنية والترابية للسودان التي انفصل جنوبها ، ولا زالت دارفور تنتظر دورها ، و سخسخة معمر القذافي بقضية لوكيربي والتعويضات المفروضة على ليبيا . كل هذه الدول كانت جريمتها أنها استنكرت العدوان على العراق سنة 1991 ، لتدفع ثمن وقوفها إلى جانب صدام حسين إعلاميا ودبلوماسيا . فمن أراد فعلا خدمة قضية فلسطين ، عليه بقطع علاقاته مع العدو الصهيوني وطرد سفيره أولا ، ودعم الفلسطينيين دبلوماسيا وسياسيا وماليا وعسكريا . ومن أراد مناصرة المسلمين ، عليه بتطبيع علاقاته مع دول الجوار والاعتراف بحقوقهم الدينية واللغوية والإثنية .

   لا أستبعد أن يكون سطوع نجم أردوغان قد جاء لترتيب الوضع الإقليمي بمنطقة الشرق الأوسط ، خصوصا بعد تراجع قوى إقليمية كمصر والسعودية ، وتصاعد قوة إقليمية كإيران التي صار لها وجود في العراق وسوريا ولبنان واليمن وفلسطين والبحرين . فحتى حزب الله الذي كان زعيمه حسن نصر الله يستقطب جمهورا يفوق جمهور البارصا ومدريد بالمغرب سنة 2006 عندما حقق لأول مرة توازنا عسكريا وإعلاميا مع الكيان الغاشم ، صارت اليوم إسرائيل أفضل منه ومن إيران – عند جمهور عريض – بسبب مذهبهما الشيعي ودورهما في إفشال المخطط الإمبريالي الصهيوني بسوريا . فهذا التحول في بوصلة الرأي العام بالمغرب ، بالانتقال من مناصرة حسن نصر الله إلى مناصرة أردوغان ، لم يكن تحولا اعتباطيا بقدرما كان تحولا تمت هندسته بعناية فائقة في الدهاليز التي تقرأ كل صغيرة وكبيرة ، وتعمل على قطع الطريق عن أي تحول يمكنه أن يهدد وجود الكيان الغاشم كما فعل حزب الله سنة 2006 . 

   لذلك ، لا يمكن أن تكون الخرجة الأخيرة لأردوغان وهو يقود حملة المقاطعة الاقتصادية لفرنسا المسيئة للنبي محمد إلا حلقة من مسلسل طويل ، يستهدف تنصيب تركيا قوة إقليمية وحيدة بالمنطقة إلى جانب إسرائيل ، ويقطع الطريق على إيران في فرض مشروعها خصوصا بعد اندحار الدور السعودي والمصري بالمنطقة ، وربما مواجهة واصطدام المشروعين التركي والإيراني فيما بينهما في اللاحق من الأيام بما يخدم مصالح الصهيونية والرأسمال العالمي .

   إن أردوغان يمثل ذلك النموذج الذي يريد الغرب أن تنحو نحوه كل تنظيمات وأحزاب و دول الإسلام السياسي ، نموذج لا يخرج عن إطار الخيار الليبرالي اقتصاديا ويسلم بدور الكيان الصهيوني بالمنطقة ، ويجعل شعوب المنطقة في خدمة الصهيونية والامبريالية ، وينفذ ما يملى عليه من مركز القرار الدولي كما فعل مع سوريا يوم فتح حدوده لتنظيم داعش و ماله وسلاحه ليعيث فسادا في الوطن الجار الشقيق . فالغرب متخوف كل التخوف من الإسلام الراديكالي / الجهادي الذي تزعمته تنظيمات حماس والجهاد و حزب الله ، لأنه نموذج لا يسلم بوجود الصهيونية بل يجعل الشعوب في مواجهتها وليس في خدمتها ، رغم أنه اقتصاديا لا يخرج عن إطار نموذج ليبرالي . فهو – أردوغان – صناعة غربية صهيونية ، تعزز وعيا زائفا يقوم على دغدغة العواطف ويقفز على الحقائق والحقوق ، وتحجب وعيا حقيقيا يقوم على معرفة الأصدقاء والخصوم والأعداء وتحديد التناقضات وتصنيفها بما يسهل تحديد الأولويات . 

مراد بلميلود.