أسس الماركسية والحركة العمالية بعد أكثر من قرن على وفاة ماركس ـ ترجمة كريم وشاشا

0
89

(Victor Leduc) فيكتور ليدوك: مناضل ومقاوم من القيادة السابقة للحزب الشيوعي الفرنسي ولد في برلين  بألمانيا وتوفي في باريس بفرنسا

Revue Raison présente

ترجمة  عبد الكريم وشاشا

ها قد مر أكثر من قرن والماركسية والحركة العمالية لا تنفصلان، وذلك إما بسبب أن هذه الحركة تهتدي بأفكار ماركس وأنجلز وكل من أتى من بعدهما وسار على نهجهما، أو على العكس من ذلك، بسبب اختلافها مع كل أفكارهما أو على الأقل جزء من تصوراتهما…

بدءا من الأممية الثانية والثالثة، وللحديث فقط عن أهم التطورات السياسية لهذه الحركة، فحول الماركسية، كانت تدور وتنتظم النقاشات الرئيسية، والصراعات الأكثر دراماتيكية، وأخطر الرهانات حول ما هي  أحسن  القراءات والتأويلات لماركس، ومن هو أفضل من نظًر وطبَق الماركسية؛ هل هو كاوتسكي، أو بليخانوف، أم هي روزا لوكسمبورغ، ستالين أو تروتسكي، تيتو، خروتشوف، ماوتسي تونغ ؟؟؟؟

إن الأمر لا يتعلق بمناظرات فلسفية عقائدية صرفة؛ فهذه النقاشات مرتبطة أساسا بأحداث تاريخية هائلة، بتوجهات واختيارات الأحزاب الجماهيرية الكبرى، بمصير عدد كبير من البشر، مرتبطة أيضا بمستقبل أمم وقارات بأكملها.. وها قد مرت أكثر من مائة عام على وفاة ماركس، فهل لا زالت الماركسية تحتفظ بذلك الدور وتلك العلاقة المؤثرة بينها وبين الحركة العمالية، وبشكل أدق بين الماركسية والنضال من أجل الاشتراكية.

  1. مساهمة ماركس في الحركة العمالية: بعض الحقائق الأساسية.

للإجابة على هذا السؤال،  علينا أولا أن نفحص على الأقل، طبيعة الروابط التي تجمع بين الحركة العمالية والماركسية، بين الماركسية والاشتراكية.. قبل كل شيء لنلاحظ ما يعتزم ماركس تقديمه للحركة العمالية، إنه يسعى لتنظيمها ووضع برنامج  لممارستها في الصراع وحتى لأهدافها البعيدة المتمثلة في المجتمع الشيوعي والذي لا يعتبره ماركس مثاليا أو حلما طوباويا بل هو ينتمي لواقع قابل للتحقق في حركة التاريخ ذاتها.. لكن هذا النضال العمالي في ممارسته للصراع، هذا التأريخ لما يسمى بالتطبيق الذاتي أو الممارسة الذاتية (autopraxis historique) للطبقة العاملة.. ماركس يريد دعمها وتقويتها بجهاز مفاهيمي يمكِّنها من توجيه أفضل لنضالاتها في مواجهة تعقيدات الواقع الاجتماعي وقبل كل شيء لمقاومة وصد هجمات الإيديولوجية المهيمنة السائدة، وما يمكن أن يعتور الحركة العمالية من ارتباكات أو غموض في بعض الفترات من مسيرتها بفعل اعتمادها على أطروحات غريبة عنها..

تحديد مثل هذه المفاهيم وهذا التصور يستعير بالضرورة شكله ومحتواه من المطارحات الفكرية والنقاشات في الفترة التي تم بدأ فيها تشكيل فكر ماركس الشاب وانتقاله إلى الواجهة الفلسفية عبر المواجهة مع الهيغيلية، سواء ضد هيغل أو تلاميذه الهيغليين الشباب ثم ضد فيورباخ.. إنها تعبر عن جميع أنواع هذه المناقشات وهذا الجدل الذي قد يبدو لنا بعيدا كل البعد عن الأسئلة التحريضية للبروليتاريا الصناعية التي كان ماركس وأنجلز يراقبان نضالها.

ومع ذلك، من الجدير بالملاحظة، أن هذه الخلافات والمواجهات السجالية تفضي إلى طريقة جديدة  لفهم الواقع الاجتماعي والتاريخي وتفتح أفقا مغايرا أمام مادية جديدة، مادية منهجية وغير ميتافيزيقية، ما يسمى بالمادية التاريخية، والتي تسعى بشكل مباشر في ترسيخ الوعي بالوجود العمالي، وتعطي له قاعدة صلبة تقيه من الغموض والتضليل الذي يهدد الحركة العمالية الفتية.

كما انتقد ماركس اليسار الهيغلي وكشف عن محدودية تصوراته المثالية باعتباره أن “الروح” مصدر ونهاية لكل شيء بدل أن يتتبع النظام الواقعي للعالم..

هذا القلب المنهجي رافقه أيضا نقد لمادية تتجاهل النشاط البشري الملموس (البراكسيس) أي تتجاهل التاريخ.. في مادية ماركس من الواضح أنه لا يتم التركيز على أسبقية المادة على الوعي، على الرغم من أن هذه الأسبقية مؤكدة سلفا، بل على حقيقة أن المادة لا يتم فهمها وإدراكها إلا في علاقة فعالة ونشطة مع الطبيعة، فعن طريق العمل أدرك الإنسان العالم، فهو لم يدركه إلا عن طريق تغييره، وهذا المسار هو ليس فرديا، إنه اجتماعي، وليس أزليا، بل هو تاريخي..

وبهذه الطريقة تمت بلورة عناصر رؤية جديدة للعالم، دفعت إلى اتخاذ موقف جديد اتجاه الواقع.. وهذه النظرة الجديدة والموقف الجديد بدا ملائما لاحتياجات طبقة  بدأت تتبوأ المكانة اللائقة بها على مسرح التاريخ، بدل تلك الأدوار الثانوية والمساعدة لقوى اجتماعية أخرى التي كانت تضطلع بها سابقا..عليها أن تؤكد على استقلاليتها الثقافية وأن تجد في ممارستها المادية أساسا وقاعدة لمستقبلها الاجتماعي والسياسي شأنها شأن البورجوازية التي وجدته في قوتها الاقتصادية..

إن هذا الدور الحاسم الذي يعطيه ماركس للعمل أكثر هو الذي يحكِم العلاقة العميقة التي تجمع بين الماركسية والطبقة العمالية..

الواقع الإنساني يجب أيضا إدراكه حسب ماركس على أنه واقع مادي اجتماعي، حيث حقيقته الأولى هي العمل المنتج، إذن فالتاريخ الإنساني كله تشترطه الطريقة التي ينتج بها الناس ويعيدون إنتاج وسائل وجودهم وسبل عيشهم.

هل هذا يعني أن العمل يحدد الإنسان في شموليته ؟ هذا تأويل تبسيطي سنراه يترسخ في تطورات معينة للماركسية دون أن يأخذ بعين الاعتبار الزخم الإنساني الماركسي.. وهو سؤال سنعود إليه.

بالفعل العمل هو شرط لكل تنمية، إنه علاقة مع الطبيعة وفي نفس الوقت علاقة بين الناس، يغير الطبيعة بواسطة القوى المنتجة كما أن الإنسان بدوره يتغير من خلال مجموع النشاط الإنتاجي وتتغير علاقات الإنتاج والتقسيم الاجتماعي للعمل ونظام الملكية، وأشكال التوزيع والتبادل.

وحتى أن الماركسية ستقترح نظرية في الثورة، انطلاقا من المكانة التي تحتلها الطبقة العاملة في علاقات الإنتاج؛ إذا كانت الثورة هي تجاوز للتناقض الناضج بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، فالطبقة العاملة هي فعلا محرك التغيير داخل نمط الإنتاج الرأسمالي – بمبادرتها التاريخية – وليس بسلسلة حتمية من التناقضات الموضوعية التي ستسمح للبشرية بالمرور إلى مرحلة أعلى من تطورها. هذه نقطة مهمة. لأن هناك تفسير مبسط اختزالي هدد الماركسية، وهو تفسير كان له عواقب وخيمة في تاريخ الاشتراكية.  

لكن منذ البداية كان هناك توافق بين المواقف الأساسية للماركسية وتشكيل حركة ثورية محورها الطبقة العاملة. الدور المركزي للعمل المنتج في المجتمع وفي التاريخ. الدور الرئيسي للبروليتاريا في النضال الثوري الذي يحمل تقدم الإنسانية؛ وعلى هذه القاعدة ستستقر الطبقة العاملة وحركتها لعقود عديدة.

2 تحول الماركسية إلى نظام وإيديولوجية الدولة

هل صمدت تلك القاعدة التي ذكرناها آنفا أمام عوادي الزمن واختباره ومكره ؟ لقد حان الوقت لمراجعة المفاهيم الأساسية للماركسية، هل حان الوقت لتوديع “البروليتاريا” والاقتراب أكثر من ضفاف “ما بعد الاشتراكية” ؟؟

بالطبع نحن نتطرق هنا إلى جانب واحد من المشاكل والقضايا الماركسية، وبالنسبة للتقييم سيكون المجال المراد تغطيته شاسعا يشمل إعادة النظر في سلسلة من الجوانب الأخرى في أعمال ماركس الشاب، ثم أعمال ماركس الناضج، ثم لاسيما الأسئلة حول الاغتراب، والديالكتيك، والايدولوجيا، ثم مجموع الأعمال النقدية للاقتصاد السياسي، مفاهيم القيمة والقيمة المضافة، نظرية الدولة أو غياب واضمحلال الدولة، وأخيرا وليس آخرا الاختلافات الشائكة في موضوعات الاشتراكية والشيوعية…الخ 

في محاولة للإجابة عن هذا السؤال: ماذا اليوم عن العناصر المؤسسة التي ساعدت لمدة قرون في تحديد الماركسية والنضال من أجل الاشتراكية. نقترح مقاربة تبدو لنا فعالة أيضا بالنسبة للأسئلة الأخرى والتي تسمح لنا أن نتوجه التوجه الصحيح في البحث عن حلول لمشكلة تطرح علينا بعد أكثر من مائة سنة من وفاة ماركس: الماركسية ومستقبل الاشتراكية، ماذا حدث لما يسمى، الأسس الفلسفية للماركسية، وهل كان ماركس سيعيد برهنة هذه المفاهيم، أي أسسها العلمية وصياغتها الاصطلاحية المثيرة للجدل ؟

قد نميل إلى القول بأن هذه المبادئ لا تزال تحتفظ براهنيتها، ويجب إجراء مراجعة نقدية لها، إن مثل هذا الغموض في الجواب هو السمة المميزة في كل ما يتعلق بالماركسية، وهذا يرجع قبل كل شيء إلى حقيقة – قد يكون الأوان قد حان أن نصرح بها- أنه لا توجد ماركسية واحدة بل ماركسيات متعددة .. ليس هناك ماركسية واحدة يجب التأكيد عليها بالحرف؛ إن فكرة النظام الذي قام ماركس وأنجلز ببلورته والذي سيصبح “الماركسية” المحدد ل”الاشتراكية العلمية” هو أسطورة، والتي تعود أصولها لسوء الحظ إلى بعض كتابات أنجلز، ولاسيما في قراءته  “ضد دوهرينغ” وخاصة في “ديالكتيك الطبيعة”؛  حيت يبدو أنجلز  هنا متأثر يغريه التنظيم المفرط لفكر ماركس، وبنبرة علموية وضعية تتوافق مع روح ذلك العصر، سيسعى الآخرون إلى جعل الفكر الماركسي على أنه حقيقة مطلقة، وسيعملون على تجميده في مجموعة من العقائد.

هناك مثال جيد يمكن تقديمه، في التطبيقات مثلا التي يتناولها الكتيب الصغير لجوزيف ستالين (المادية الديالكتيكية والمادية التاريخية)، فهذه التطبيقات فرضت نفسها وأصبحت هي فلسفة الدولة.. وهناك العديد من الأمثلة ..

إن الإصرار على تقديم المادية الجدلية مقرونة بالمادية التاريخية ليس بريئا، في الواقع إن المنظور الماركسي برمته هو الذي يتغير، من خلال إرسائنا للديالكتيك في الطبيعة، وسحبنا من المادية التاريخية الوضع الذي كانت عليه عند ماركس والذي هو المنهج الذي تم استعماله من أجل نقد الواقع الاجتماعي وتغييره.. وهو منهج يتطلب تطبيقه العمل الواعي والمنظم إلى الحد الذي تصبح فيه ” الطبقة في حد ذاتها”  “طبقة لذاتها” وحينها يمكن أن تنجز حل التناقضات الموضوعية في العمل الثوري.

لنسجل أن الطبقة عند ماركس، هي طبقة العمال التي تقوم بتحرير نفسها بنفسها لتحقيق مجتمع الحرية والكرامة وكامل السيادة.

(….).

إن نظرية الانعكاس لا تنفصل في الواقع عن تبعية المادية التاريخية للمادية الجدلية، وهذا له عواقب مؤثرة للغاية: بما أن التفكير الجدلي هو انعكاس للواقع في الأذهان، فإن الممثلين المؤهلين للطبقات الصاعدة هم أولئك الذين يتقنون بطريقة أحسن قوانين الجدل وهم حاملو الحقيقة العلمية المتعلقة بمصير التاريخ.. إذن لقد حصلنا على خطاطة مختلفة تماما عن الخطاطة الأولية لماركس. فلم تعد الممارسة الذاتية (autopraxis historique) للطبقة العاملة هي التي تلعب الدور الرئيسي، بل  هي القيادة السياسية التي تتخذ القرارات باسم الطبقة العاملة وتجسد الحقيقة في التاريخ، وبالتالي فإن الماركسية لن تقوم بعد الآن بدور منهج لتحليل الواقع الاجتماعي وتوجيه العمل الثوري، بل ستلعب دور نظام فكري، دور “إيديولوجيا” يبرر ويسوغ ممارسة وأداء حزب أو دولة… والذين يحملون آراء غير مطابقة لها يواجهون أشد الاتهامات، والقمع المفرط؛

إننا نرى أن هذه “الماركسية ” أدت إلى الانحرافات الستالينية البغيضة، والتي لها جذور غنوصية (gnoséologiques) أعمق بكثير من عبادة الشخصية، وهي نتيجة وليست سببا. لذلك من الضرورة بمكان ولصالح مستقبل الاشتراكية أن تنجح الحركة العمالية بكل مكوناتها في استئصال هذه الجذور وإزالة الدوغمائية  والإيديولوجية المزيفة، وذلك ليس فقط للخروج من حالة التصلب والجمود الذي تنعت به الماركسية اليوم، ولكن أيضا من أجل إعادة اكتشاف مع المعطيات الحية لفكر ماركس أدوات وآليات لنقد جذري للنظريات والممارسات والتي قامت في حالات عديدة بتشويه عميق للتجارب الاشتراكية.

3- ماركس، التطور التكنولوجي و”الإنتاجية”

إن إعادة الفحص النقدي هذا لا يقل عن ضرورة ملاءمة الأداة الماركسية مع الحقائق الاقتصادية والاجتماعية الجديدة، فإلى جانب مشاكل المنهج المادي، فإن تلك المتعلقة بالعمل المنتج ودور الطبقة العاملة تشكل عناصر حساسة وملتهبة.

لقد جعل ماركس من العمل المنتج مفتاحا للماضي وكذلك مستقبلا للمجتمعات البشرية، وجعل من الطبقة العاملة محورا للصراع من أجل الاشتراكية. إذا كان القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين قد أكدا هذه الآراء بشكل كامل، فإن تطور المجتمعات الصناعية الأكثر تقدما في النصف الثاني من القرن العشرين خضع لتحولات كانت فيه قوة العمل للعامل ثانوية وهامشية، فالتكنولوجيات الاتصالات عن بعد الجديدة والمعلوماتية الربوتية (télématique, robotique) خفضت بشكل جذري عدد العمال والمشغلين والمستخدمين. إذا كان تفاقم بطالة بنيوية هو النتيجة المباشرة لهذا التطور، فإن الخطر الذي يمكن ملاحظته بالفعل هو التدمير الحقيقي للطبقة العاملة وانقسامها وتفككها إلى أقلية من الأفراد النشيطين في الصناعات المتقدمة تعمل على إعادة إنتاج وسائل إنتاج جديدة تتطلب في كل مرة عددا أقل من القوى العاملة وغالبية موظفين غير مستقرين أو مساعدين مؤقتين للشركات والخدمات الملحقة والمستبعدة من الإنتاج والمهددة في كل حين بالبطالة الدائمة… وقد صاحب هذا النهج انخفاض حقيقي في قيمة العمل وظهور مجتمع “مزدوج” يتآلف بجانب مجال الإنتاج الحالي مجال يعيش فيه الأفراد بتكلفة منخفضة من الإنتاج الذاتي الزراعي أو الحرفي، والخدمات الاجتماعية والأنشطة الثقافية وما إلى ذلك… وعلى أساس هذه المنظورات كان الفلاسفة وعلماء الاجتماع مثل  André Gorz  أو    Alain Touraine  يعلنان، أحدهما عن نهاية الدور الثوري للبروليتاريا لصالح “الغير العمال” والآخر لصالح الحركات الاجتماعية الجديدة (نشطاء البيئة، الحركات النسائية والشبيبية …الخ)، ومع ذلك سيكون من الخطأ الخلط بين لحظة من منحنى مسار الرأسمالية، مع المسار بكامله، وهذا ما حدث عدة مرات لبعض علماء الاجتماع، ألم يعلنوا في بداية الستينيات بنهاية الإيديولوجيات، وأنها ستفسح المجال فقط للتقنية ؟ وعندها وقعت انفجارات مطبوعة بقوة  بإيديولوجية 1968 وسنوات 1970. فبعد فترة قصيرة من صدور أعمالAndré Gorz  و  Alain Touraine, شهدت فرنسا الانتصارات الاشتراكية لماي ويونيو 1981، إن هذه الانتصارات كانت تعني رؤية خطر التدمير الذي يهدد الطبقة العاملة بوضوح تام.

علاوة على ذلك، ليس التطور التكنولوجي في حد ذاته علامة تراجع وأفول للبروليتاريا ودق أجراس النهاية للاشتراكية وأيضا للماركسية؛  كما يقول علماء الاجتماع للمجتمع ما بعد الصناعي، إن فكر ماركس لم يجمِّد الرأسمالية في هذه المرحلة أو تلك من تطورها، من الواضح أنه لم يستطع أن يتنبأ بمحتوى التطورات التقنية، ولكنه قام بتشخيص انخفاض استخدام القوة العاملة البسيطة والدور المتزايد الأهمية للعلوم كقوة منتجة.   

وجوهر المسألة هو معرفة ما هي القوى الاجتماعية التي تهيمن على هذا التطور التكنولوجي، فإذا كانت هي قوى رأسمالية، فإن المجتمع يتجه بالفعل نحو تفتيت وتفكيك الطبقة العاملة لضمان فترة جديدة من الهيمنة البورجوازية؛ أما إذا كانت هذه القوى هي العمال، فيجب إعادة تنظيم العمل المنتج بطريقة تمنح للجميع أكبر مدة للوقت الحر؛ لأنه يجب أن لا ننسى بأن العمل المنتج عند ماركس ليس هدفا بحد ذاته، إنه مجرد وسيلة لضمان تلبية الاحتياجات، فهو ينتمي على هذا النحو إلى عالم الضرورة، فمملكة الحرية  تبدأ مع تقليص يوم العمل  يقول ماركس بشكل صريح في “رأس المال”، فتقدم المجتمع ودرجة التنشئة الاجتماعية الفعالة لا تقاس من خلال زيادة قوى الإنتاج والتي ما هي إلا شرط مسبق، لكن بمدة الوقت الحر المتاح للأفراد أعضاء المجتمع. فبعد أن أصبح العمال هم سادة لتطورهم الاجتماعي، يقررون هم بأنفسهم أي  جزء يمنحونه للعمل المنتج أو للوقت الحر، فمع الإدارة الذاتية للوقت تقوم أعظم الفتوحات الاجتماعية، من المهم استعادة هذه النقطة، كما هو الحال في نقطة المنهج المادي، المعنى الحقيقي الذي يريده ماركس وذلك ضد كل التشويهات والتحريفات النظرية والعملية على حد سواء التي هددت مستقبل الاشتراكية..

إن إعطاء للاشتراكية مهمة تحرير القوى المنتجة فقط، وقياس تقدمها حسب الكميات المنتجة المدرجة في الإحصائيات، وتحديدها كهدف رئيس ل” اللحاق بالدولة الرأسمالية وتجاوزها ” هو إغفال للهدف الحقيقي للاشتراكية هو تحرير الإنسان من خلال بناء مجتمع مختلف نوعيا، لا يمكن اعتبار المضاعفة المستمرة في الإنتاج وكتلة البضائع بمثابة تقدم حقيقي. على العكس من ذلك تنطوي الإنتاجية القصوى على خطر مزدوج في تدمير الطبيعة وتجريد الإنسان من إنسانيته. غالبا ما تسير هذه السياسة الإنتاجية جنبا إلى جنب مع مستوى منخفض من الاستهلاك… إن الإنتاجية بالرغم من المظاهر ليست وسيلة للتقدم بها، بل لها وظيفة التبرير والحفاظ على الواقع القائم..    

الخلاصة    

ما هي الخلاصات المستشفة من هذه المراجعة السريعة ؟ إن بعض المعطيات الأساسية المطروحة هنا، أكدت لمدة قرن تقريبا الارتباط الوثيق بين الماركسية والحركة العمالية في الصراع والنضال من أجل تحرير وانعتاق البروليتاريا ومن أجل الاشتراكية، والحفاظ بشكل أساسي على فعالية العودة إلى الفكر الحقيقي لماركس مع أخذ بعين الاعتبار التطور التاريخي لإجراء عدد معين من التصحيحات؛ لكن يبدو لنا أن تحول الماركسية إلى نظام مكتمل والذي يحمل معه الحقيقة ..وكذلك حصر الاشتراكية في تطور قوى الإنتاج كل هذا يشكل معيقات كبيرة لتعبئة قوى جديدة لقضية الاشتراكية. بعد أكثر من مائة عام من وفاة ماركس، إذا أردنا ضمان مستقبل الاشتراكية، نحن في أمس الحاجة من أي وقت مضى في استخدام المنهج النقدي لماركس ليس فقط ضد التعبيرات الإيديولوجية الجديدة للرأسمالية، ولكن أيضا ضد كل ما تم تزييفه ابتداء من الجمود العقائدي للماركسية.       

* فيكتور ليدوك: مناضل ومقاوم من القيادة السابقة للحزب الشيوعي الفرنسي ولد في برلين  بألمانيا وتوفي في باريس بفرنسا