القاص محمد العتروس: كوة

0
113

الكاتب: القاص محمد العتروس

كان يختلس النظر من خلل كوة في سطح البيت الذي يطل بدوره على الشارع وعلى البيوت الواطئة المحاذية لبيته. كانت الأسطح خالية إلا من أعشاش حمام، ومن ملابس منشورة على حبال الغسيل، ودراجة خضراء للأطفال، وربطتي بصل وربطة ثوم معلقات على جدار جارتهم “عناق”، وكومة قمح ينتظر أن يغسل وينقى و”يسرح” ليجف، وكرسي هزاز في بيت العم “سلوم” هناك بعيدا إلى جوار بيت خالتي “هينة” والتي لا يفصل بيتها عن بيت العم “سلوم” سوى جدار وسياج حديدي قصيرين. كانت الشمس تميل إلى المغيب، وكان الشفق يذبح السماء ليسيل الأحمر البهي في جنباتها، وكانت هناك شرفة… شرفة بعيدة يفصل جدارها البيت عن الشارع. الجدار مزين بطلاء أبيض ومثلثات من النقاط الدائرية الصغيرة بلون التراب وشكل العنب. تذكره بالتراب وبالعنب وبالـ…. ويد حريرية تستند على الجدار. اليد يد امرأة تجلس في الشرفة على كرسي أخضر.. كانت المرأة تطل على الشارع. وجهها عين تنظر إلى البعيد، وأنف يشم رائحة البارود والتراب والموت، وأذن تنصت لدبيب النمل. المرأة غطاء رأس أبيض يسيل على الكتف فوق الظهر كما يسيل الماء والبرد على جسد العروس. امتدت عيناه إلى القدمين، ولم يتبين منهما غير حذاءين أسودين لقدمين تبدوان صغيرتين أكثر من اللازم بالنظر إلى جسد المرأة الممتلئ، لكنهما تدكان الأرض تحتهما دكا. المرأة فستان بهي غطى على بهاء القدمين وعلى بهاء الوجه، مطرز بأجمل تطريزة في الكون. التطريزة تذكره بأمه، بعباءتها، بطرحتها، برائحتها وهي تقطع المسافة الفاصلة بين المطبخ وغرفة المعيشة. وتذكره بفستان أمه الذي أهدته إياه مع مفتاح بيتهم، وجعلتهما جهازا لعروسه. امتدت عيناه إلى خصلة الشعر التي تشاكس الجبين، انتقلت إلى عينيها وتوقفت عندهما.. لم يتبين منهما غير نظرة شاردة في البعيد.. لم يستطع أن يرى ما كانت تنظر إليه دون أن تحرك ساكنا. حين فعل أصبح المرأة التي تختلس النظر إلى البعيد… وخلفها ذئب فوق سطح قريب.