المهدي بن بركة والمرحلة الانتقالية في البناء الديمقراطي.

0
93

الكاتب محمد امباركي.

بداية لا بد من الإشارة الى  أن هذا المقال يحاول الاقتراب من سؤال أساسي هو : كيف تصور الشهيد المهدي مسألة البناء الديمقراطي والتحرر الوطني؟  هل كان المهدي من أنصار القطيعة الثورية بما معناها الحسم مع النظام السايسي بما يسمى في أدبيات حركة التحرر العالمية ب ” أدوات النضال كافة ” بما فيها العنف الثوري بمختلف أشكاله وصيغه ؟ أم أن الشهيد كان يبحث لكل إجابة سياسية عن المستلزمات الذاتية والموضوعية للمرحلة؟

أطرح هذه الأسئلة والقوى التحررية العالمية على مشارف تخليد الذكرى 55 على اختطاف واغتيال هذا الزعيم الأممي، ومعركة كشف الحقيقة حول الجهات التي تورطت في اغتياله مستمرة ومفتوحة وكل تاريخ 29 أكتوبر من كل سنة يقف رفاق ورفيقات الشهيد أمام مقهى ليب بباريس بشارع جيرمان دي بري  لتجديد العهد والإصرار على كشف الحقيقة…وهذه مسألة كافية للقول أنه لو كتب لهذا الرجل أن يعيش ولم تمتد إليه أياد  الغدر والاستبداد وهو في أوج عطائه لا يتجاوز 45 سنة، لكان له شأن استثنائي في التوقيع على بصمات حقيقية في قيادة سفينة التغيير الديمقراطي في المغرب والتنمية المستقلة قد تجعل من هذا البلد في عداد تجارب سياسية متميزة يستحضرها التاريخ كما يستحضر تجارب التحرر العالمية رغم صعوباتها الجمة ( الشيلي، البرازيل، جنوب إفريقيا،….)، وهذه الفرضية ليست من باب التنجيم أو تقديس الرجل بل إنها نابعة من كفاءة الشهيد المهدي ورؤيته السياسية الثاقبة وإشعاعه الدولي والأممي…إنه في مصاف الرجالات الكبار القادمين من أدغال النضال الوطني والتقدمي والعالمي.

لكن قبل الخوض في هذه الأسئلة الشائكة والتي لا ندعي تقديم إحاطة شاملة بها، ماهي مقومات المراحل الانتقالية نحو الديمقراطية على ضوء بعض التجارب العالمية خاصة  في أوربا ( إسبانيا )، أمريكا اللاتينية ( البرازيل، الشيلي…)، آسيا (الفلبين، إندونيسيا  ) و إفريقيا (جنوب إفريقيا )؟

الانتقال الديمقراطي وتفكيك بنى الاستبداد من الداخل.

على ضوء تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها العديد من البلدان وتمكنت من التخلص التدريجي من الديكتاتورية والأنظمة القمعية، يمكن القول أن معظمها تحكمت في صياغته ثلاث مداخل أساسية ومترابطة ولا يمكن عزل أحدها عن الآخر :

  1. المدخل السياسي الذي تكثفه اللحظة الدستورية والانتخابية حيث يسود نوع من التنافس الديمقراطي بين النظام  والقوى المعارضة، وقد لا يؤدي هذا الصراع الى القطيعة مع البنيات السابقة التي قد تكون قوية ولها امتداداتها الاجتماعية والعسكرية بل حتى دعم فئات اجتماعية مقهورة. ومن ثمة، فغالبا ما يتم الحديث في هذا السياق عن التحول أو الانتقال السلمي للسلطة تحسمه القوى المعارضة لأنظمة القمع على قاعدة تفاوضية تستمد قوتها وفعاليتها من قدرة تلك القوى على التعبئة المجتمعية واحتلال الفضاء المؤسساتي والعمومي ودعم مختلف أطياف المجتمع بما فيها بعض القوى المترددة والتي قد تصطف في جهة النظام تحت سلطة الإكراه والقمع والترغيب،  وذلك بهدف كسب القدرة على تفكيك النظام من الداخل أو ما يمكن الاصطلاح عليه حسب أدبيات الانتقال ” هزيمة النظام الاستبدادي من الداخل “، الأمر الذي يتطلب توافقات معينة وتسويات محددة قد تعرض القوى المعارضة للنقد ونعتها بأنها تشرعن الديكتاتورية كالموقف من الانتخابات بين المشاركة والمقاطعة أو قبول مشاريع دساتير معينة قد تؤسس مؤقتا للتعايش مع النظام السابق واقتسام سلطة القرار السياسي في انتظار لحظة الحسم النهائي من خلال التراكم والتدرج وقدرة القوى المعارضة على تمتين وتوسيع تحالفاتها وتوافقاتها والتدبير الديمقراطي والذكي لاختلافاتها و لتقديراتها السياسية والتكتيكية طالما أن ” أي فترة انتقالية تتطلب أن تفهم كل جماعة أنها لا يممكن أن تطالب بكل ما تريد”. (1)
  2. المدخل الحقوقي حيث تعتبر العدالة الانتقالية في صلب البناء الديمقراطي ومن الضمانات المركزية لوجود إرادة سياسية حقيقية في القطع مع ماضي الاستبداد والديكتاتورية وانتهاكات حقوق الإنسان، وفي هذا الإطار تطرح قضيتين شائكتين، من جهة أولى موقع المؤسسات الأمنية وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية التي غالبا ما تكون صمام أمان النظام السياسي ومتورطة في الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في حق المعارضين من اعتقالات فردية وجماعية، التعذيب، الاغتيال السياسي، الاختطاف والنفي، الإعدام خارج نطاق القضاء…إل،  ومن جهة ثانية، تطرح مسألة قراءة هذا السجل الحقوقي وكشف الحقيقة وإعمال مبدأ عدم الإفلات من العقاب ويتم تشكيل لجان الحقيقة والإنصاف والعدالة وجبر الضرر الفردي والجماعي، ولا شك أن هذا البعد الحقوقي يشكل لحظة تفاوضية استراتيجية وشاقة في ضمان بعض الشروط الأساسية في الانتقال الديمقراطي وعدم التكرار أو إجهاضه والعودة القوية للقمع والسلطوية، وانسجاما مع منطق التوافق وتدبير توازنات المرحلة الانتقالية ووقايتها من كل انهيارا أمام حدة التقاطب السياسي والاستقطاب الاجتماعي، تتنوع وتتعدد تركيبة لجان الحقيقة والعدالة الانتقالية، فتضم نشطاء حقوقيين منهم ضحايا سابقين للانتهاكات الحقوقية الجسيمة، ومناضلين من القوى المعارضة ومن اليمين والوسط والموالين للنظام، وأكاديميين ومثقفين…إلخ. وعلى هذا المستوى يكون موقع المؤسسة العسكرية في البناء الدستوري والمؤسساتي من النقط الأساسية في جدول أعمال المرحلة الديمقراطية المنشودة، حيث يكون الهدف الأساسي ضمن استراتيجية هزم الاستبداد من الداخل إرجاع العسكر الى ثكناته ويصبح تحت إشراف السلطة المدنية ومؤسسات الرقابة.
  3. المدخل الاقتصادي والاجتماعي حيث لا يمكن صياغة استراتيجية التحول الديمقراطي في الفترة الانتقالية بدون نهج سياسة اقتصادية واجتماعية تهدف الى الرفع من نسبة النمو ومحاربة الفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية والاستفادة من الثروة الوطنية على قاعدة تكافؤ الفرص والحظوظ وضمان الحقوق الأساسية في مجالات التعليم والصحة والشغل وكرامة العيش، وقد يؤدي البعض من هذه الإجراءات إما الى إضعاف التحالفات الطبقية للنظام السياسي السائد والمستفيدة من الاستبداد السياسي والاقتصادي أو استقطاب طبقات اجتماعية ذات طموحات اقتصادية مهمة ظلت مكبلة نتيجة طبيعة النظام واصطفافاته الطبقية، وذلك في اتجاه إدماجها في مسلسل المرحلة الانتقالية بطريقة  قد تتيح إمكانية انبثاق بورجوازية وطنية مستقلة عن ضغوطات النظام, ومن المؤكد أن ما يعبر عن انخراط هذه الطبقات في منطق التحول السياسي هو درجة تجاوبها مع السياسات الاقتصادية الاجتماعية للسلطة البديلة سواء داخليا أو خارجيا.

إن السياسة الاقتصادية تساعد على نجاح عملية التحول السياسي بناء على قاعدة بسيطة هي أن الناس ” إذا لم يروا تغييرا نحو الأفضل في حياتهم، فسيخيب ظنهم بالنظام الديمقراطي الذي أعيد إنشاؤه، وسيقول الكثيرون أنه إذا لم تكن الديمقراطية قادرة على الإنجاز، فما فائدتها؟ …فالديمقراطية هي النبات الذي يجب أن يسقى كل يوم، وكلما زاد الدخل، زاد عدد المطالب التي يمكن تلبيتها” (2).

مجمل القول، وانطلاقا من التجارب العالمية في التحرر الوطني والبناء الديمقراطي، يجب تسجيل ملاحظتين أساسيتين، الملاحظة الأولى هي أن تجارب التغيير السياسي المبنية على نهج ” أدوات النضال كافة ” من موقع الانتصار للقطيعة الثورية غالبا ما لم تعمر طويلا بل وانتهت الى مصير ” الثورة التي أكلت أبنائها وتستمر في أكلهم حتى بعد فشل الثورة أو نجاحها المؤقت”، والملاحظة الثانية هي أن استراتيجيات التغيير السياسي  التي اعتمدت التعبئة الجماهيرية الشاملة عبر الأحزاب سياسية والنقابات والتجمعات المهنية والحركات اجتماعية والمجتمع مدني والجسم الأكاديمي والفكري وحشد الدعم الدولي من الأصدقاء والحلفاء، تمكنت من العزل السياسي والاقتصادي والاجتماعي للنظام السياسي القائم والتخلص التدريجي من القمع والاضطهاد وقيادة سفينة  التغيير السلمي نحو بر الأمان بخسائر أقل وتحقيق المجتمع الديمقراطي الذي تتعايش تحت ظله الواسع والمتعدد جميع طبقات الشعب.

فكيف نظر الشهيد المهدي بن بركة الى قضية الانتقال نحو الديمقراطية؟ وماهي درجة حضور هذا المستوى في استراتيجية النضال والتغيير في مفكرة وممارسة المهدي؟

ليس من السهل الإجابة عن هذه الإشكالات خاصة إذا استحضرنا معطى مهم أو بالأحرى حاولنا الإجابة على السؤال الأهم : كيف تمت قراءة وتمثل المهدي بن بركة من طرف معاصريه من رفاقه وأصدقائه بل وأعدائه؟ هل عبر المهدي عن ذاته النظرية والسياسية من خلال الوثيقة التاريخية والاستراتيجية ” الاختيار الثوري في المغرب ” الصادرة يوم الفاتح من ماي 1962؟

لا ندعي الإحاطة بهذه الإشكالات والتي تتطلب استحضار معطيات، شهادات ومنعرجات المرحلة. من هنا تجب الإشارة الى أن الشهيد المهدي عاش وأثر في منعرجات حركة التحرر الوطنية والعالمية بدء بالحركات الاستقلالية لإزاحة الاستعمار الأجنبي ثم النضال من أجل الديمقراطية بأفق اشتراكي أو ما سماه المهدي في الوثيقة نفسها بالأفق الثوري الجديد. ورغم أن حركة التحرر الوطني كما عاشها المهدي وكان من صناعها ومهندسيها نظريا وممارسة والتزاما، ظلت استراتيجيتها متقاطعة ومزدوجة بين التحرر من الاستعمار وبقاياه والقطع مع الحكم الاستبدادي والاستفراد بالسلطة، وبالتالي ف “الابستيمية ” المهيمنة آنذاك على معظم فصائل الحركة التحررية هي القطع الثوري مع أنظمة سياسية سرعان ما اتضح أنها عميلة بل وصنيعة الاستعمار أو ما سماه المهدي بالاستعمار الجديد رغم تبنيها لشعارات الاستقلال الوطني كشكل من أشكال سرقة والسطو على سياسات المعارضة الجذرية، لكن هذا لا يمنع من تلمس والتقاط العديد من الأفكار والخلاصات التي توحي بامتلاك المهدي لوعي سياسي استباقي وثاقب ورؤية استشرافية فيما يتعلق بالتأسيس لمرحلة التغيير الديمقراطي.  أين تكمن تجليات هذا الوعي المبكر والذي غالبا ما لا يتم الانتباه إليه بدعوى العداء الشديد بين النظام والمهدي آنذاك وحشد هذا الأخير للتعبئة الضرورية لعزل النظام سياسيا وطبقيا في الداخل والخارج ؟

لا شك أن ترجمة بعض ملامح هذه الرؤية للمرحلة الانتقالية في فكر وممارسة الشهيد المهدي، نجدها في كيفية قراءة المهدي لثلاث قضايا أساسية ترتبط بشكل جدلي مع أية استراتيجية للتغيير الديمقراطي بأفق ثوري والتي تعكسها وثيقة الاختيار الثوري :

  1. طبيعة الحكم ( المؤسسة الملكية )
  2. موقع الجيش
  3. السياسة الاقتصادية وملامح الأفق الثوري..

عدم حسم إشكالية الحكم وإفشال الانتقال المتوافق حوله.

في وثيقة الاختيار الثوري التي تعتبر تجربة مضيئة وفريدة في النقد الذاتي كممارسة تنظيمية ونظرية، حدد الشهيد المهدي تصوره لتناقضات مرحلة ما بعد الاستقلال وفرص التغيير الديمقراطي سواء من موقع التوافق والتسويات الممكنة مع الحكم أو من موقع الحسم الثوري اللصيق بالتعبئة المجتمعية والبعيد عن العقلية الانقلابية، وهكذا فمن خلال لحظات التشخيص وتحديد مكامن سوء التقدير، يتضح بشكل واضح أن الشهيد المهدي راهن على منطق التفاوض والتوافق والانتقال السلمي للسلطة وبناء الديمقراطية بعد الاستقلال ارتباطا بالتلاحم الذي كان واقعا بين المؤسسة الملكية والحركة الوطنية، لكن رهان التوافق طاله الإفشال حيث أن – كما يقول الشهيد – ” المغالاة في تقييم النتائج الجزئية المحصلة بعد الصراع الحاد قد تجد مبررا في سوء تقديرنا للمرحلة الانتقالية بعد إيكس ليبان” (3)…وهنا يشير المهدي الى أول حكومة وطنية بعد الاستقلال برئاسة عبد الله إبراهيم ( 24  دجنبر 1958، 20 ماي 1960)  كشكل من أشكال التوافق والتأسيس الهادئ والسلمي للتحول الديمقراطي مع العلم أنه كانت هناك مقاومة شديدة أن يقود المهدي هذه الحكومة أو يتقلد فيها وزارة التعليم والتربية الوطنية ” إن أولئك الذين غدت مصالحهم أو امتيازاتهم مهددة بالسياسة الجديدة التي ظهرت بوادرها سنة 1959، أدركوا قبل غيرهم خطورة هذه السياسة، وهبوا لمساعدة ولي العهد آنذاك، إن لم نقل ليوحوا له بموقف المعارضة المتعصبة ضد بقائنا في الحكومة، بينما كان والده محمد الخامس يرى مشاركتنا ما زالت ضرورية. وفي نفس الوقت انكشف النقاب عن وجه الحكم الذي يدعي أنه حكم وطني، بينما كان يبذل قصارى جهده لتأجيل ساعة التحرر الحقيقي ” (4)، لكن تحالف الاستعمارين القديم والجديد أجهض هذه التجربة السياسية التاريخية رغم قصرها زمنيا وحصيلتها الثقيلة والغنية اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا، والتي كان من الممكن أن تشكل معلمة من معلمات الانتقال الديمقراطي في العالم بعيد الاستقلالات الوطنية حيث كان بإمكان المهدي ببصيرته السياسية البعيدة المدى والتي تتجاوز الحدود الوطنية ووعيه الجمعي المتقد وكفاءته العلمية وذكائه المشع، أن يضمن لها الدعم الدولي الضروري الذي تعززه آنذاك قدرة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الاصطفاف الطبقي للقوات الشعبية في جبهة التغيير ومقاومة الاستبداد….

إن الانقلاب على هذه التجربة الوطنية الديمقراطية واتجاه النظام نحو إعادة بناء نفسه مركزيا بالاحتكار الشديد للسلطة والثروة، هو الذي يفسر الدينامية التي شهدها المشهد السياسي الوطني آنذاك خاصة على مستوى المسألة الدستورية والقضية الانتخابية، حيث أن استمرار أذناب الاستعمار وتعبيراته المحلية في الحكم وتحللهم من كل ” التعاقدات السابقة ” في الاستقلال الحقيقي والتحرر الوطني والتي عكسها بجلاء الانقلاب على حكومة 1959 مما وضع نهاية شبه رسمية ومؤسساتية لمنطق التوافق والثقة وجدية المفاوضة السياسية التعاقدية، فمعظم تجارب الانتقال الديمقراطي تأسست على تعاقدات سياسية ودستورية شكلت اللحظة الانتخابية في شكلها التنافسي الديمقراطي، من أرقى صيغ التعبير عنها. وهكذا، فأمام إصرار النظام الساسي على تفجير مناخ وتراكم التوافق الذي حصل الى حدود 1960 والتسويق لديمقراطية اليافطة والسياح كما نعتها الشهيد المهدي، لجأ الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الى نهج تكتيكات متنوعة في مواجهة الحكم المطلق قريبة من استراتيجية ” أدوات النضال كافة ” خاصة بعد اختطاف واغتيال الدينامو المهدي، وضمنها الانتفاضة المسلحة بتاريخ 3 مارس 1973، وقبل ذلك مقاطعة الاستفتاء على دستور 1962 باعتباره دستورا ممنوحا ثم المشاركة في الانتخابات الجماعية سنة 1963، وهنا تجلي الذكاء السياسي للاتحاد الوطني للقوات الشعبية في اختراق الفضاء المؤسساتي وتعبئة الفضاء العمومي  لصالح أطروحته والهجوم على النظام السياسي في عقر داره ( هزم الاستبداد من الداخل  ومن خلال التنافس الديمقراطي السلمي )،  مما عرضه لحملة شرسة من القمع والاضطهاد سنوات 1963- 1965- 1969- 1970- 1971- 1973…)، وقد شكل هذا التكتيك في حد ذاته مصدرا حقيقيا لقلق وإزعاج دوائر النظام السياسي باعتباره يتأطر ضمن خط سياسي يتصور الديمقراطية ” كنظام للمجتمع يقوم على تغيير جذري لأسس بنائه، لا مجرد تعديل دستوري يفرض من أعلى، وفي غيبة من الممثلين الحقيقيين للشعب “(5)..وهذا ما قاد النظام السياسي الى استعمال كل الخطط والأساليب لإنهاك الاتحاد الوطني للقوات الشعبية سياسيا واجتماعيا من خلال العزل السياسي المبكر للطبقة العاملة عن طريق جزء من قيادة الاتحاد المغربي للشغل آنذاك حتى لا ينفتح النضال النقابي على المطالب السياسية والأهداف الثورية كما كان دائما يؤكد الشهيد المهدي الذي ألح على ضرورة اليقظة ” أمام سياسة النظام القائم في الميدان النقابي، على أنها تدخل في نطاق أوسع هو خطة الاستعمار الجديد على مستوى القارة الإفريقية، وغرضها تشجيع التيارات الإصلاحية اللاسياسية في الأوساط النقابية العمالية وفصل النضال النقابي القومي عن المعركة الاقتصادية محدودة الإطار” (6)

أي تصور للشهيد المهدي لموقع العسكر في العملية السياسية؟

قد نقول بدون مبالغة أن هندسة المهدي للمكانة الدستورية والسياسية للجيش قد عجل بتصفيته. كيف ذلك؟

الإجابة لن تحيد عن ما قاله المهدي عن المؤسسة العسكرية ذاتها وكيف كان الحضور السياسي والاقتصادي لهذه المؤسسة بعد اختطاف واغتيال المهدي وهو القائل بكثير من النباهة والاستشراف أن ” الحرص الذي يبديه القصر الملكي في احتكاره للجيش ملكية خاصة به معزولة عن الشعب، وفي إطار مغلقة، أن تكونت شبه إقطاعية قوية التسليح ومهددة بشتى أنواع المؤثرات الأجنبية والمصالح المشبوهة، دون أية وسيلة لحماية هذه القوات المسلحة من الأخطار، أو لإخضاعها لرقابة شعبية، فأصبح يخشى على النظام نفسه، بسبب سياسته العمياء اللاشعبية أن يفقد سلطته على تسيير هذه الأداة” (7). وحقيقة أن المؤسسة العسكرية ظلت في قلب حملات الاضطهاد السياسي التي شهدها المغرب بعيد الاستقلال من خلال القمع الدموي لانتفاضة الريف سنة 1959 والتي قال عنها المهدي أن شوكة الإقطاعيين قد تقوت ” حتى بلغ الأمر في أواخر سنة 1958 أن نظمت بجبال الريف بشمال المغرب ثورة مصطنعة بتواطئي مع عناصر القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية “، ثم قمع انتفاضة 23 مارس 1965 ومختلف الانتفاضات الجماهيرية التي شهدها المغرب والانقلابين العسكريين 1971 و1972 اللذان أبانا عن بعض التناقضات في جسم النظام السياسي وتطلعات قادة الجيش وارتباطاتهم الداخلية والخارجية مما حدى بالملك الراحل الحسن الثاني الى الإشراف المباشر على العسكر كقائد أعلى للقوات المسلحة الملكية  وإبعادهم عن السياسة والزج بهم في عالم الأعمال والريع الاقتصادي والامتيازات المادية والرمزية…..، وهكذا ظل العجر عن إخضاع مؤسسة الجيش للسلطة المدنية إحدى تجليات فشل الانتقال الى الديمقراطية في المغرب حتى خلال مرحلة الإنصاف والمصالحة مع نهاية التسعينات حيث ظلت هذه المؤسسة علبة مغلقة غير قابلة للرقابة والمساءلة رغم دورها الحيوي في التدبير الأمني لعلاقة النظام بالمعارضة وتورطها المباشر في الاغتيال السياسي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والانقلاب على الحكم نفسه.

الأساس الاقتصادي والاجتماعي للبناء الديمقراطي والتحرر الوطني .

لقد انتبه الشهيد المهدي مبكرا الى أن مباشرة إصلاحات اقتصادية واجتماعية جذرية هي الكفيلة بإضعاف وتفكيك التحالفات الطبقية التقليدية والمهيمنة بين الإقطاع وكبار التجار والاستعمار الفرنسي، ولا شك أن المشاريع الاقتصادية الاستراتيجية التي باشرتها حكومة عبد الله ابراهيم ابتداء من سنة 1959 في مجالات التصنيع والزراعة والتعليم وجلاء الاستعمار اقتصاديا وسياسيا هي التي عجلت بالانقلاب عليها والذي اعتبره المهدي لحظة فرز سياسية وطبقية حقيقية تقطع مع مرحلة الثقة وإرادة التسوية وتدشن لمرحلة احتداد التناقض والصراع السياسيين، ” لقد قلنا آنفا إن الجانب الإيجابي للانقلاب الذي حدث في ماي 1960  كان هو تبلور القوتين الأساسيتين في المغرب. فلم يعد مجال للقصر لكي يقف موضوعيا موقف الحكم أو الوسيط ” (8) ثم يضيف ” أن أبلغ دلالة على فشل النظام في عدوله النهائي عن كل محاولة تخطيط اقتصادية بعد تبنيه مشروعنا لخطة الخمس سنوات الذي كان جاهزا سنة 1959، بعد أن عمل على إفراغه من مدلولاته الثورية، لا سيما ما يتعلق بالإصلاح الزراعي ” (9 )، وقد شكل الإصلاح الزراعي الجذري في تقدير المهدي ” السبيل الوحيد لإضعاف الرجعية الإقطاعية، وحرمانها من وسائل نفوذها على أجهزة الدولة المركزية والمحلية ”  (10)

إن الأطروحة الاقتصادية والاجتماعية في التغيير السياسي في فكر المهدي، كانت نابعة من تشخيص سوسيولوجي ملفت للتركيبة الطبقية أنداك التي كانت تتوزع حسب مقاربة الشهيد، على النمط التالي :

  • بورجوازية كبرى تنازلت عن مطامعها السياسية، وربطت مصيرها بالإقطاع
  • طبقة عاملة تكون القوة الرئيسية، ولكنها في حاجة الى أن تضع بوضوح قواعد العلاقات بين مهامها النقابية وبين أهدافها السياسية
  • بورجوازية متوسطة وصغيرة متذمرة ومتوفرة على طاقة ثورية كامنة، ولكنها مترددة في استئناف النضال لاستكمال التحرر الوطني.
  • جماهير صغار الفلاحين والمحرومين من الأرض الذين هم في حاجة الى وضوح الرؤية لمهامهم، كما هم في حاجة الى إطار ينظمون فيه نضالهم الخاص الى جانب نضال الطبقة العاملة. ” (11)

أمام هذه اللوحة السوسيولوجية الثاقبة، يمكن القول بنوع من النسبية، أن الفهم العميق للشهيد المهدي لتركيبة المجتمع وعدم نضج ممكنات التغيير الثوري وطبيعة المرحلة والحاجة الى الوعي الديمقراطي والأداة السياسية القوية والمنظمة هو الذي أملى عليه نهج خطة التسوية والتفاوض في سياق استراتيجية ذكية ومدروسة  تتجه نحو تقويض أسس الحكم المطلق من الداخل، وأمام فشل هذه الخطة على قاعدة وعي القوى الطبقية المهيمنة بأن مصالحها ومصالح الاستعمار الجديد مهددة فلجأت الى القطع مع منطق التوافق الموروث عن مناخ النضال الوطني من أجل الاستقلال، اضطر الشهيد المهدي الى ضرورة ممارسة النقد الذاتي في وثيقة الاختيار الثوري  والذي عكسه قوله أن ” التحليل النقدي لتسوية إيكس ليبان الذي لم نقم به سنة 1956 علينا أن نقوم به اليوم ( أي سنة 1962)، حتى نستخلص منه في سياستنا الداخلية موقفا واضحا ومحددا بالنسبة الى التسويات أو الحلول الوسطى التي قد نضطر الى قبولها في المستقبل….علينا أن لا نقع مرة أخرى في خطأ إكس ليبان، ولا نتولى تبرير التسويات كأنها حلول كاملة، والاحتفاء بها كأنها انتصارات تخدم في الواقع أغراضا انتهازية ” ( 12 ).

المهدي الغائب الحاضر

مجمل القول، إن اتفاقية إكس ليبان التي نتج عنها استقلال جزئي، والانقلاب على حكومة عبد الله ابراهيم ، وملاحقة الشهيد المهدي ثم اختطافه واغتياله يوم 29 أكتوبر سنة 1965، شكلت لحظات فارقة في احتداد الصراع السياسي بين النظام والحركة التقدمية بقيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وبالتالي وقف مسلسل أي تفاوض أو تقارب قد يؤسس لتعاقد سياسي واجتماعي تتحقق معه أمنية الانتقال الديمقراطي، كما تعتبر أيضا، فترات مرجعية في تفسير تحولات الحقل السياسي ما بعد 1965 حيث في مقابل النجاح الجزئي للنظام السياسي في ضبط ديناميات الحقل السياسي والاجتماعي و تجاوز اللحظات العصيبة خاصة في سياق ” الربيع الديمقراطي العربي “( حركة 20 فبراير، حراك الريف..) وذلك من خلال إعادة تجديد وبناء تحالفاته وتكتيكاته حسب متطلبات كل مرحلة داخليا وخارجيا، هناك فشل قوى الصف الوطني والديمقراطي رغم تبني استراتيجية النضال الديمقراطي في الإمساك بمفاتيح الانتقال الديمقراطي سواء ما بعد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية سنة 1975 أو  خلال مرحلة التناوب التوافقي ( 1998-2002 ) أو خلال مرحلة الحراك السياسي المرتبط بالسياقات الإقليمية المنتفضة ضد الفساد والاستبداد خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، وهكذا يمكن القول أن الوطن خسر كثيرا طيلة أزيد من ستة عقود بعد الاستقلال من إجهاض التحول السلمي وغير السلمي نحو الديمقراطية (1956-2020 )، وتظل جثة المهدي الزعيم، المفكر والشهيد، جاثمة على صدور قوى الرجعية والاستبداد وشاهدة على أن المهدي سيظل الحاضر الغائب وضمن البوابات الرئيسية نحو مستقبل الديمقراطية والتحرر الوطني واستنشاق هواء الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ونشدان البناء الاشتراكي…أليس المهدي هو القائل أن ” الشعور بالمسؤولية هو الذي دفع المخلصين من شعبنا الى التضحية بالمراتب والمال والجاه، وسلوك طريق الكفاح والسجن والنفي دفاعا عن الوطن “.(13).

هوامش :

  • تجارب التحول الى الديمقراطية. حوارات مع القادة السياسيين. تحرير سيرجيو بيطار وأبراهام لوينثال. دار الشروق. الطبعة الأولى 2016. الصفحة : 151
  • نفس المرجع. الصفحة : 157
  • الاختيار الثوري في المغرب. المهدي بن بركة. دفاتر وجهة نظر. 2011. الصفحة : 67
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 71
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 10
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 91
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 36
  • الاختيار الثوري. الفحة : 26
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 29
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 12
  • الاختيار الثوري. الصفحة : 42

(12)الاختيار الثوري. الصفحة : 52

(13) ” هكذا تكلم المهدي بن بركة”. كتاب من منشورات الكنفدرالية الديمقراطية للشغل. أكتوبر 2015