بين الموروث العالم ، والموروث العامي.

0
179

الكاتب: محمد بونيف

اضطررت للذهاب إلى المستشفى باكرا للحصول على توصيل ، حتى تتمكن إحدى قريباتنا من زيارة الطبيب . وأنا أنتظر، استمعت عن غير قصد إلى حديث امرأتين : كانت الأولى في عقدها الرابع تقريبا ، ترتدي لباسا طويلا عادة ما ترتديه النساء في المنازل ، والثانية أصغر منها بقليل .تبدوان من خلال حديثهما أنهما لم تنالا حظهما من التعليم ، لكن لهجتهن البدوية رائعة وجذابة .

سألت الثانية الأولى في معرض حديثهما .هل لا زالت مع زوجها أم افترقا ؟ فأجابتها ” افترقنا ” : يأتي مرات عديدة كل سنة ويأخذ زاده من المواد الفلاحية ويذهب لحال سبيله .

وسألتها عن صحتها فأجابتها ” نقوت الروح حتى تعود إلى خالقها ” …. في هذه الجملة

( نقوت أي بمعنى نغذي ، والقيت هنا كلمة أذق من الغذاء )

ما أثارني في هذا الحديث هو هذا التفتح العادي والسلس ، رغم أنها مطلقة يأتي الزوج ويأخذ زاده من المواد الغذائية ، ولم تتكلم عنه بسوء يذكر ، كحال المطلقات اللواتي تظهرن عادة الكره لأزواجهن السابقين .

والملاحظة الثانية . في كلامها عن الروح وعودتها إلى خالقها .فاهت بهذه الجملة ، وهي لا تعرف ولا تعي أنها تناولت فكرة فلسفية أسالت الكثير من الحبر، وأثارت الكثير من الجدل ، ولا تعرف أن ما قالته هي أن الروح مفارقة للجسد (1) أي أن لها وجودا مستقلا ، وهي قبس من الله تسري في الجسد وفي الكون لتحركه كما تقول بذلك الهرمسية ، وأن الروح محبوسة في الجسد ولا سبيل إلى تخليصها إلا بتطهيرها ، وهي الجزأ الإلهي فينا و الوسيلة الوحيدة لمعرفة الله والاتصال به كما تقول أيضا الهرمسية .

ولم تتكلم هذه المرأة في إطار الحديث عن صحتها التي جاءت من أجلها إلى المستشفى، عن المرض الجسدي وكأنها اعتبرت الجسد مادة فانية ، وأن المادة هي مصدر الشر والبلاء .

المئات من العبارات ، والتعبيرات التي يستعملها الإنسان العامي(أو غيره ) في خطابه ولغته (وتنتمي إلى موروث ثقافي معين ) ، يتعامل معها وكأنها من الدين الإسلامي رغم أنها قد لا تمث له بصلة أحيانا ، ولا يعرف معانيها ، وتاريخها ، ومصادرها، ويستعملها يوميا كمسلمات ، بل وتؤطر فكره ، ويتعصب لها بشكل كبير ، وقد يحرف معانيها ويستعملها في غير صالحه .

من التعابير التي في الغالب لا تستعمل في محلها مثلا . لفت انتباهي قول العديدين ردا على وقوع مجموعة من الأحداث بالقول ” قدر الله وما شاء فعل “.

قد يسوق الشخص سيارة بدون تأمين ، وهو ثملا ، ويرتكب حادثة تخلف ضحية بشرية أوضحايا ، ويقول في رده على مستفسريه عن الحادث ” قدر الله و ما شاء فعل ” ولا يعرف أن هذه العبارة تفيد الجبرية أي أن الإنسان غير مخير إطلاقا . وأن الجبرية تستعمل أحيانا لأغراض سياسية محضة ، وتاريخيا استغلت في بعض الدول ( الدولة الأموية مثلا ) ، بحيث كانت تعتبر الحاكم قدرا من الله حتى ولو كان جائرا ، و من يعترض عليه فهو غير راض بقضاء الله وقدره ، وهو تماما كالمشرك .

عديدة هي الأفكار والعبارات التي تنتمي إلى موروث ثقافي معين ، أوحتى إلى ” اللا معقول العقلي ” كما قال الدكتور عابد الجابري ، ومنها ما هو دخيل على اللغة العربية ، ويتعامل معها عامة الناس وجزء من خاصتهم على أنها دينية . وتؤسس الخطاب العامي الأكثر انتشارا في بلداننا ، بل وتطغى على الموروث و الخطاب العالم ، وتجعله يستقيل من مهامه في مواجهتها لكثرة تداولها وتشبث العامة بها .