ثورة لم تكتمل قراءة في مذكرات المناضل امحمد التوزاني ـ عبد الإله إصباح

0
27

الكاتب/ة: عبد الإلاه إصباح

تنضاف إلى الوثائق التأسيسية للحركة الاتحادية الكتاب الذي نحن بصدده اليوم ” ثورة لم تكتمل” لواحد من الاسماء البارزة لهذه الحركة المناضل الكبير الاخ امحمد التوزاني ، هذا الاسم الذي ما ان تلتقطه أذن السامع حتى يجد نفسه وقد دخل الى غمار هذه الحركة الاتحادية الاصيلة كواحدة من حركات التحرر العالمية في بعدها المغربي .نعم فمع مناضل من حجم الاستاذ امحمد التوزاني تحضر هذه الحركة بكل هالتها ورصيدها النضالي الغني والزاخر وتضحيات مناضليها الأفداذ في المعتقلات والسجون والمنافي واستشهاد العديد منهم في سبيل نصرتها وتحقيق مبادئها واهدافها المثمتلة في القضاء على الاستبداد والحكم الفردي المطلق . ومع هذا الكتاب الجديد والذي ألفه رمز من ر موزها الكبار نعيش في مناخ أجوائها النضالية ونلتقي بمناضليها وهم في خضم نضالهم اليومي ، واضعين على عاتقهم حمل عبء مواجهة النظام المغربي الرجعي الذي اعتبروه تجسيدا للاستعمار الجديد . ومع هذه المذكرات الغنية بالمعطيات والمعلومات والأحداث والشخصيات تحضر الى الذهن مرحلة الستينات كمرحلة تأسيسية للحركة الاتحادية الاصيلة . ففي هذه الستينات تبلور الخط النضالي الجذري للحركة الاتحادية وتبلور توجهها الإديولوجي كحركة تحرر وطني واكتسبت ملمحها النضالي في مواجهة حملات القمع والاعتقالات والاغتيالات واستحقت انتماءها إلى نزوع ثوري لا يستسلم ولا يهادن .وها نحن مع هذه المذكرات نتحدث مند العنوان عن ثورة وتحيلنا صفحاتها الى معمعان هذه الثورة ،بدءا من كواليس التخطيط لها وعبر معايشة يوميات مناضليها في معسكرات التدريب في سوريا ومخيمات المقاومة الفلسطينية في لبنان والاردن .وهكذا تحضر أطياف متعددة من رموز حركات التحرر مغربيا وعربيا من الشهيد المهدي بن بركة الى الشهيد الغسان كنفاني ، وتحضر منظمات سياسية ثورية وا زنة من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مرورا بحزب البعث الى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وفتح والصاعقة وغيرها من التوجهات والحركات .ان هذه المذكرات وهي تؤرخ ليوميات مجموعة من المناضلين وهم يتهيئون ويستعدون لمعايشة حدث كبير بالتخطيط والتدريب والتكوين ، تؤرخ في الواقع لإحدى حركات التحرر الوطني وهي تعيش مخاض إبقاء شعلة النضال والثورة متقدة متوهجة . نطلع على واقع هذه الحركة من زاوية واقع هؤلاء المناضلين وهم يعيشون الانتظار ، انتظار الشر وع في تنفيذ عملية ثورية حاسمة . وخلال سرد هذا الواقع في تفاصيله وجزئياته يعمد المنا ضل امحمد التوزاني ككاتب هذه المذكرات الى استحضار محطات فارقة في تاريخ هذه الحركة كالمؤتمر الوطني الاول بالاتحاد الوطني للقوات اشعبية وحملة القمع التي استهدفت المناضلين في يوليوز 1963 وانتفاضة 1965 واغتيال الشهيد المهدي بن بركة في نفس السنة وفتح قوس للحديث عن عدد اللقاءات التي جمعته بالشهيد دون نسيانه الاختيار الثوري والمذكرة التنظيمية للشهيد عمر بن جلون التي كانت احد المراجع الاساسية المعتبرة كخلفية نظرية في البناء التنظيمي .ان تواجد المناضل محمد التوزاني في سوريا والاردن ولبنان اتاح له ان يكون شاهدا ومشاركا في احداث ووقائع عرفتها حركات التحرر على الصعيد العربي ، ومنها حرب الستة ايام في 1967 التي تعرض فيها النظام الناصري لضربة قوية زعزعت كيانه وادت الى احتلال مواقع جديدة في بلدان عربية أخرى، هذا التواجد في خضم حدث عظيم كهذا جعل المناضل امحمد التوزاني يقف عن قرب عن أسباب الهزيمة التي عرضها في لقاء جمعه بالفقيه البصري لما زار سوريا وسأله عن طبيعة الوضع السياسي آنذاك بالمنطقة .اما عن علاقته بالقضية الفلسطينية فيكفي ان نذكر بأنه كان هو ورفاقه المغاربة يقاتلون الى جانب المقاومة الفلسطينية ويواجهون النظام الأردني أثناء مدبحة أيلول الاسود في شتنبر 1970 في التحام حقيقي بين جناحي حركة التحرر العربية ، الجناح المغربي ممثلا في الحركة الاتحادية والجناح الفلسطيني ممثلا في المقاومة الفلسطينية .والحقيقة انه عندما نقف عند تفاصيل العلاقة التي جمعت مناضلي الحركة بالقضية الفلسطينية ، ندرك جيدا الأسباب العميقة التي جعلت هذه القضية تحتل مرتبة أولية لدى القوى اليسارية المغربية ، حتى إنها اعتبرتها قضية وطنية لا تقل في اهميتها عن باقي القضايا الوطنية الاخرى .فهذا الالتحام الوجداني بالنضال الفلسطيني هو نتيجة للالتحام النضالي في ميدان المقاومة ضد العدو الصهيوني في جبهات قتاله في لبنان وسوريا وفلسطين . وكل ذلك جعل من فلسطين احد أركان الهوية النضالية للحركة الاتحادية الاصيلة .وجاءت هذه المذكرات لتقديم شهادة حية عن تجليات هذه الهوية على مستوى الاداء السياسي والنضالي وعلى مستوى العلاقات الانسانية التي جمعت المناضلين برموز النضال الفلسطيني .إن المناخ الثوري الذي كان سائدا على الصعيدين المغربي والعربي وعلى الصعيد العالمي هو ما يشكل الخلفية المحفزة لوقائع وأحداث هذه المذكرات . فهي تعكس هذا المناخ العام ، وتصف اجواءه لأنها انبثقت منه وتبلورت في خضمه ، ولذلك كانت الثورة هي الهاجس وهي الغاية ، هي المنطلق وهي الحلم الذي راود صناع تجربة فريدة واستثنائية في حوليات السياسة بالمغرب وحوليات اليسار على الخصوص . وقد استطاعت هذه المذكرات أن تكرس نفسها كوثيقة تاريخية سيدرك لا محالة أهميتها رواد البحث التاريخي خصوصا وأنها صادرة عن فاعل استثنائي يمنحها كل المصداقية اللازمة لها كرواية للتاريخ من قلب الحدث في سيرورة تشكله واتخاده ملامحه النهائية . وهي بذلك تصدر عن وعي مدرك لأهمية سرد التاريخ كمجال للصراع السياسي والاديولوجي . وليس صدفة انها تصدر في نفس الان الذي تصدر فيه روايات لنفس هذا التاريخ من زوايا اخرى ومن قبل فاعلين اخرين كانوا أساسيين هم أيضا في هذه التجربة . ونحيل هنا الى مذكرات الاستاذ عبد الرحمان اليوسفي ومذكرات الراحل عبد الرحيم بوعبيد .فصدور هذه المذكرات في مدة زمنية متقاربة يعكس نزعة الى البوح حتى لا تبقى الحقيقة مرتهنة لرغبات التزييف والتضليل ومرتهنة كذلك للمصالح المتولدة عن التموقفات والتموقعات الجديدة . وهذا يعني أن الذاكرة أصبحت مجالا لاستئناف الصراع من منطلق مآلات من يروي ، هل لازال على الدرب وعلى نفس المبادئ ام غير تموقعه وأصبح في الوجهة المناقضة لما كان عليه . ولعل قارئ هذه المذكرات يدرك بسهولة انها تصدر من نفس المنطلقات النضالية الرامية الى القضاء على الاستبداد ، وهي تمارس الصراع ضده هذه المرة في مجال الذاكرة حتى لا تسود روايته هو ويهيمن تأويله لمجريات الأحداث .إن البحث التاريخي الاكاديمي الرصين والموضوعي سيكون مدينا لهذه المذكرات في مساعدته على فهم وتفسير حقبة سياسية هامة من تاريخ المغرب بما هي حقبة صراع بين مشروعين سياسيين متناقضين مشروع للهيمنة والاستغلال والاستبداد ومشروع للقضاء على هذا الاستبداد والاستغلال وتأسيس بديل تحرري قوامه احترام الارادة الشعبية وترسيخ ديمقراطية حقيقية من الشعب والى الشعب .هذه إذن مذكرات تنضاف إلى أدبيات اليسار المغربي وتعزز رصيده الوثائقي والتاريخي ، وهي من هذه الزاوية ممارسة نضالية تغني الرصيد النضالي الزاخر لمؤلفها كمناضل من مناضلي هذا الشعب ورمز من رموزه النضالية الكبار .واذا كانت الثورة هي الهاجس الاول لدى المؤلف كمناضل يساري ، فإنها ستظل تشكل لديه حرقة وغصة باعتبارها غاية لم يتم تحقيقها . وهذا ربما هو ما يفسر عنوان هذه المذكرات “ثورة لم تكتمل ” الذي يولد انطباعا بان المؤلف لازال يكابد الاحساس بهذه الغصة والحرقة من عدم اكتمال هذه الثورة . ويمكننا ان نستطرد بالتساؤل ونحن نتأمل هذا العنوان ، كيف نتحدث عن ثورة لم تكتمل وهي لم تنطلق اصلا ? فهل الامر يتعلق في الواقع بثورة لم تكتمل ام بثورة لم تتحقق ، لأن التساؤل عن الاكتمال يكون في حالة انطلاق الثورة وقطعها أ أشواط غير أنها لم تكمل هذه الاشواط إلى نهايتها ، والحال ان الثورة المأمولة موضوع هذه المذكرات نعرف مصيرها ومآلها حيث أجهضت في المهد قبل الانطلاق . وهذه الثورة، هل كانت وحدها ضمن الثورات التي لم تكتمل . نحن نعلم أن هناك العديد من الثورات لم يكتب لها الاكتمال وتوقفت عند مرحلة معينة في مسارها كما أن هناك ثورات نجحت في تحقيق هدف الاستيلاء على السلطة ولكنها تعرضت للانقلاب عليها من داخلها وبتواطؤ مع قوى خارجية كما حدث للثورة الناصرية ..وثورات عانت من عنف رد فعل الثورة المضادة ، ذلك ان كل ثورة تولد ثورة مضادة لها في الحين قد تنجح في إجهاضها والقضاء عليها كما حدث في العديد من الثورات . ومصير الثورة المأمولة في هذه المذكرات شبيه بمآل الثورة التي كان يرنو اليها تشيلي غيفارا في ادغال بوليفيا وهو يقود حرب العصابات . ذلك إذن هو مصير العديد من الثورات ، نقول ذلك لعلنا نساهم في التخفيف من وطأة الحرقة والغصة التي قد يكون مناضلنا الكبير لازال يكابدها .ويمكن ان نستمر في استطراد التساؤلات ونقول ما هو مفهوم الثورة الذي يصدر عن الكاتب انطلاقا من العنوان وعبر صفحات هذه المذكرات . هل الثورة تختزل في ذلك الحدث الذي يتم التخطيط له ام ان هذا الحدث خطط له ليكون الشرارة التي ستفجر صير ور ة ثورية بعد ان تم تهييء شروطها على مستوى نضج الوعي السياسي للجماهير وتحقيق الهيمنة الايدولوجية الضرورية لضمان نجاح اي ثورة بعد استكمال شرطها السياسي والتنظيمي وإعداد المناخ العام الحاضن لها .على ان عدم اكتمال هذه الثورة ينبغي ان يدفعنا الى التساؤل عن الاسباب التي تكمن وراء ذلك ، ومسؤوليات الأطراف المخططة لها ، هل وفرت كل شروط نجاحها وعلى رأس ذلك الانطلاق من التحليل الملموس للواقع الملموس ، ألم يكن عدم الاكتمال هو احدى النتائج الحتمية للنزعة الإرادوية المفرطة كنزعة تقفز على الواقع بل وتتجاهله ، وبالتالي يكون عدم الاكتمال متأتيا من سوء تقدير الشروط والظروف المحيطة بالعملية ككل ، سوء تقدير يجعل الفعل الثوري ضحية التوجه المغامر للقيادة بما هو توجه لا يعمل على إنضاج شروط الفعل الثوري وإنما يستعجل التغيير في غياب شروطه وممكناته .وبغض النظر عن المسؤوليات التي تتحملها القيادة في ما ألت اليه العملية ككل يبقى من الضروري الاشارة الى الطاقات الثورية الجبارة للمناضلين الدين انخرطوا في الاستعداد والتخطيط والتدريب والتنفيذ ، والدين ضحوا باستقرارهم ومستقبلهم وبحريتهم وبحياتهم من اجل نصرة الغايات النبيلة للحركة في نكران للذات جدير بالثوار والابطال الحقيقيين الذين لا شك كانت تغمرهم نزعة رومانسية ثورية تزودهم بطاقة هائلة وشجاعة نادرة في غمرة اقدامهم على انجاز فعل بطولي بكل المقاييسإن حجم التضحيات والمعاناة التي كابدها المناضلون ، لا يمكن للمرء أن يتخيله مهما أوتي من قوة الخيال. وهي معاناة لا تنحصر فقط في أهوال المنافي والسجون والمعتقلات السرية، بل هناك وقائع عايشها المناضلون لا تقل قسوتها ووقعها في النفس عن التعذيب والاعتقال. ولعل لحظة تلقي خبر وفاة الأب كانت من أقسى اللحظات على المناضل امحمد التوزاني، حيث يسترجع آخر مرة رآه فيها وآخر لقاء جمعهما وهو يودعه مع الخال بمكناس عندما كان يعتزم التوجه إلى سوريا. لقد كانت لحظة قاسية ومؤلمة حقا وهو يتلقى العزاء في وفاة الوالد من طرف الراحل الفقيه البصري، وهو الخبر الذي هز كيانه، وقرر على إثره العودة إلى المغرب، لكنه تراجع أخيرا تحت إلحاح رفاقه الذين نبهوه إلى خطورة ذلك، فمصيره سيكون لا شك هو الاعتقال في الأقبية السرية حيث سيكايد شتى صنوف التعذيب على يد الجلاد. لقد صبر المناضل امحمد التوزاني وتحمل فراق العائلة إلى غاية 1975 حيث التقى والدته في باريس وجدد اللقاء معها. وهذه تفاصيل من البوح ألحميمي تسلط الضوء على جوانب أخرى من المعاناة في بعدها الوجداني والعاطفي استطاع مناضلنا أن يعبر عنها أحسن تعبير.لقد كان من الممكن أن لا نتقاسم الآن هذه اللحظات مع المناضل امحمد التوزاني، ليس فقط بسبب احتمال الاغتيال والتصفية الجسدية التي كانت تلاحقه هو ورفاقه، ولكن أيضا بسبب صدفة عمياء وخطأ بشري وموت عبثي كاد يتعرض له الكاتب هو و مجموعة رفاقه لولا سرعة بديهة الراحل احمد بن جلون ونباهته. لنستمع للأخ التوزاني يحكي عن هذه الواقعة التي كادت تعصف بهم. يقول:” إني لا أنسى ما جرى بمعسكر الزبداني عندما كاد أحد المتدربين وهو عبد الله المالكي أن يقتلنا جميعا بسبب خطأ فادح ارتكبه بوضع معكوس للقديفة، لولا مبادرة المرحوم أحمد بن جلون الذي سارع للا رتماء على عبد الله المالكي والمدفع مرددا الخطأ الأول هو الخطأ الأخير ‘ذ لاحياة بعده.هذه واحدة من الأحداث والوقائع التي تزخر بها هذه المذكرات، وكلها تعكس الظروف والملابسات التي أحاطت بنضال مجموعة من الشباب الذين انخرطوا في دينامية سياسية ونضالية بصدق ووفاء وطهرانية واستشهد العديد منهم من أجل أهداف نبيلة وغايات سامية. فتحية إجلال وتقدير لهؤلاء المناضلين، تحية إجلال وتقدير للأخ امحمد التوزاني والمجد والخلود للمناضلين الشهداء.