حسابات خاطئة وأوهام قاتلة

0
238

الكاتب: الدكتور علي بوطوالة

بعد انتفاضة الشعب الفلسطيني الأولى، شرعت الحركة الصهيونية بتوجيه ودعم من عرابيها وحلفاءها في البحث عن مخرج من المأزق التاريخي الذي وجدت نفسها فيه بعد انفضاح حقيقتها، وسقوطها الأخلاقي بفضل مقاومة أطفال فلسطين بالحجارة. وقد وجدت لحسن حظها، في القيادة الرسمية لمنظمة التحرير الفلسطينية التي أتعبها اللجوء من الأردن، إلى لبنان وأخيرا إلى تونس المخاطب المصغي، والمستعد لإبرام اتفاق أوسلو الذي سمي بسلام الشجعان، وتم تسويقه على أنه فاتحة عهد جديد من السلام والتعاون والازدهار المشترك لبلدان المشرق العربي، خاصة بعد الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثمان سنوات، وبعد حرب الخليج الأولى، وانهيار الإتحاد السوفياتي ودول المعسكر الاشتراكي.

كل تلك الأحداث العاصفة التي مثلت المخاض المؤلم للعولمة الليبرالية، والأحادية القطبية، أقنعت القيادة الفلسطينية بالدخول في المفوضات السرية مع عدوها التاريخي، وعقد تلك الصفقة معه أملا في الوصول بعد فترة انتقالية إلى دولة وطنية مستقلة مقابل التنازل عن الميثاق الوطني الفلسطيني وخيار المقاومة المسلحة. وقد شجعتها الأنظمة العربية الرجعية على نهج ذلك المسار المسدود الأفق، لتجد الفرصة والمبرر للتخلي عن التزاماتها القومية التي صرحت بها في مؤتمرات القمة العربية قبل ذلك، بحجة أنها لايمكن أن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. بعد نهاية ولاية كلينتون الذي رعى الإتفاق وتوقيعه بواشنطن بين الشهيد ياسر عرفات وإسحاق رابين، وبمجرد وصول المحافظين الجدد إلى التحكم في الإدارة الأمريكية مع جورج دبليو بوش، وتغول اليمين الصهيوني بزعامة الجزار شارون، أعلنت كوندوليزا رايس مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي لم يكن سوى نسخة محينة من المشروع الصهيوني القديم باقامة إسرائيل الكبرى. وهكذا، اكتشف الشهيد ياسر عرفات بعد فوات الأوان أن الوعود التي قدمت له قد تبخرت، مما دفعه للتفكير مجددا في خيار العودة للمقاومة، واعتصم بالمقاطعة، فقرر شارون اغتياله بعد الحصول على موافقة جورج دبليو بوش. في نفس المرحلة حدث الانقسام العمودي في الساحة الفلسطينية بين فتح وحماس وتحولت السلطة الفلسطينية إلى سلطتين، واحدةبالضفة، والأخرى بغزة. وكما هو معلوم عمل كل أعداء حركة التحرر الوطني الفلسطينية على الاستفادة من هذا الشرخ، وخاصة الكيان الصهيوني الذي بدأ في شن الحروب على غزة للقضاء على المقاومة المسلحة التي استفادت من تجربة المقاومة اللبنانية التي أوقعت أول هزيمة بالدولة الصهيونية سنة 2006.

بعد انفجار الأزمة المالية والإقتصادية بالولايات المتحدة الأمريكية سنة 2008 وانتقالها لكل البلدان الغربية، وصل باراك أوباما إلى رئاسة أمريكا بالشعار الشهير “نعم نستطيع “، أي استطاعة الخروج من الأزمة واستعادة زمام المبادرة في قيادة العالم، وطرح مشروع الشرق الأوسط الكبير بإضافة دول إسلامية غير عربية كتركيا، وإيران وباكستان. وفي إطار هذا المشروع، تحولت انتفاضات الشعوب العربية من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة والعدالة الاجتماعية سنة 2011 إلى حروب أهلية طاحنة في ليبيا والعراق وسوريا واليمن، عملت على تغذيتها بالمال والرجال والسلاح دول الخليج بتوجية وتأطير مخابرات الدول الامبريالية، التي وجدت في الجماعات التكفيرية ضالتها المنشودة. هكذا تم تنفيذ محاولات تقسيم ليبيا والعراق وسوريا واليمن، لكن صمود سوريا قيادة وجيشا وشعبا أفشل رهان أعداء الأمة العربية. وفي أوج مواجهة المؤامرة الدولية على الشعوب العربية، وصل ترامب الى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية بشكل غير متوقع، وشرع في تنفيذ ما أعلنه في حملته الانتخابية من وعود، ومنها تقديم دعم لامحدود وغير مسبوق للكيان الصهيوني، وإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في أمريكا ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتزكية بناء المستوطنات وضم الجولان السوري المحتل، وقطع الدعم المالي عن الأنوروا، وأعلن عن صفقة القرن كأخطر مشروع للتصفية النهائية للقضية الفلسطينية، ووجد في الأنظمة الرجعية العربية ليس فقط قبولا، بل رغبة دفينة في التطبيع والتحالف مع الكيان الصهيوني بدعوى مواجهة الخطر الإيراني! وقد ساعدت تداعيات جائحة كورونا على إقدام هذه الأنظمة بدون خجل على الانخراط مجددا في مسلسل التطبيع، رغم أن معطيات ومجريات عقدين ونصف بعد اتفاق أوسلو، قد كشفت بالملموس الطبيعة الاستعمارية والعنصرية للكيان الصهيوني الذي لا يفهم غير لغة القوة. الفرق فقط يكمن الآن في السياق الدولي المختلف بحيث أصبح هامش المناورة ضيقا جدا أمام السلطة الفلسطينية للسكوت، أو تزكية هرولة المطبعين التي تلحق أفدح الأضرار بالمقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني من أجل انتزاع حقوقه التاريخية والمشروعة في التحرير وعودة اللاجئين وبناء دولته الوطنية المستقلة وعاصمتها القدس.

بالنظر لكل ماسبق يتبين أن مآل اتفاقات التطبيع لن يكون أفضل من نتائج سابقاتها التي أبرمت في منتصف التسعينات من القرن الماضي. إن كل القوى المناضلة والمعادية للمخطط الصهيوني الإمبريالي الرجعي في المنطقة، مطالبة أكثر من أي وقت بتوحيد صفوفها وتنسيق جهودها، وتطوير أدوات وأشكال مقاومة ومحاربة العدو الصهيوني وإسقاط اتفاقات التطبيع الخيانية.