خارطة طريق حول الصحراء.. التكامل المغاربي والتدخل الخارجي.

0
181

الكاتب: منعم وحتي.

أصدقائي المغاربيين،

كان مفيداً جدا، أن نمر من مرحلة للسجال والتوضيح الديمقراطي وتحييث المعطيات وضبط الخرائط وتدقيق المعطيات وتمحيص الحقائق التاريخية ودحض زيف بعض الحكايات. وهي مرحلة تشخيص مهمة كمدخل لرسم معالم غدٍ مُشْرِقٍ، لا يمكن أن ننجح في لوحته إلا بصيغة تشاركية تجمع كل مكونات الوطن الكبير.

إلا أنه في زحمة الأمور، هناك عيون خارجية تراقب الوضع وتتحين فرصة الإنقضاض علينا، الروسي وتوابعه اتجاه الجزائر والأمريكي وتوابعه اتجاه المغرب، وما سيستتبع ذلك من فقدان بلدان المنطقة لسيادتها على مقدراتها، واللاعبون الخارجيون يتقنون هاته اللعبة جيدا، ولنا في دروس المشرق خير مثال على ذلك بتقسيم المقسم وتفتيت المفتت ووضع اليد على خيرات البلدان التابعة، فيمكننا تجنب جريمة سياكس بيكو ثانية في المنطقة، بمحاولة امتلاك نضج قراءة الخرائط المستقبلية.

إن تجربة فضاء شينغن للاتحاد الأوربي جديرة بالقراءة والتدقيق، كتجربة اقتصادية نحتت مفهوم المواطن الأوربي المالك لحرية تنقله وتعامله المالي والاقتصادي بكامل أوربا، بدل الانكماش الجغرافي في حدود وطنه الصغير، رغم أن قواعد الاتحاد تضمن السيادة الوطنية للبلدان وحدودها دون أطماع تقسيمية.

في هذا السياق هناك 10 نقط أساسية لإضاءة مستقبل الصحراء بنسق وحدوي مغاربي يطور الحلول الواقعية، تجنبا لتضييق الكماشة الخارجية لخناقها على رقابنا:

  1. من هو المحاوَر في الصحراء المغربية ؟ إن مبدأ الديمقراطية الذي طرحناه في أدبياتنا كركيزة أساسية لتحرير الأرض والإنسان في ظل وحدة الوطن والمصير، تقتضي، نوعا من التعددية الديمقراطية، التي تُنهي الفهم الاستفرادي لمن يتكلم باسم الصحراويين والصحراويات، فلا الدولة المركزية لها الحق في فرض شيوخ الريع والانتفاع القبليين عنوة بالصحراء. ولا البوليساريو لها الحق بمنطقها الماضوي الشمولي بأن تعتبر نفسها ممثلا وحيدا للصحراويين.. إن الخريطة الاجتماعية والسكانية الديمغرافية بالصحراء وقعت فيها تحولات كبرى.. وصعود جيل جديد من الشباب والأطر والمثقفين والجامعيين بالمنطقة، هو الكفيل بخلق قوة مؤسساتية منظمة، تستطيع بكل ديمقراطية فرض نفسها على الجميع، كممثل ديمقراطي للساكنة، يمتلك مشروعا تنمويا، بحمولة ديمقراطية واجتماعية وفكرية وثقافية، وينهل من معين العمق الصحراوي الكامل (وليس بمنطق عنصري يرفض صحراويي واد نون وأيت يوسى..) ، وذلك بصيغة تشاركية ووحدوية مع أبناء الوطن الواحد في بقية مناطق المغرب، ولا مشكلة أن يكون البوليساريو كفصيل سياسي، له أيضا طروحاته كحزب أو تيار أو تنظيم بجانب بقية الأطياف السياسية والثقافية والاجتماعية، كحركة صحراويون من أجل السلام وحركة خط الشهيد وتنظيمات أخرى يمكن للتعددية أن تسمح بظهورها جهويا مستقبلا، صونا للتنوع الديمقراطي بالصحراء والهوية الثقافية الفسيفسائية، في اتجاه تنمية المنطقة والتوجه نحو المستقبل الوحدوي.
  2. إن الخريطة التشريعية والمؤسساتية للتنظيم الجهوي بالمغرب، تحتاج لإعادة تركيب وبناء جديدين، ليس فقط لاعتبارات إدخال الصحراء في التصور المؤسساتي الجهوي الموسع الجديد، بل لحاجة ماسة لكل مناطق المغرب لنوع من الاستقلالية الديمقراطية في تدبير شأنها المجالي والتنموي المحلي دون الحاجة لرقابة مركزية مفرطة، وهو ما سيفسح المجال لتفجر الطاقات جهويا، بفتح أوراش كبرى تبني الصناعة والفلاحة والتجارة والخدمات الاجتماعية ومناصب الشغل، وتفتح آفاق التكنولوجيا الحديثة، شمال وجنوبا، شرقا وغربا.. ولا يمكن لاستقلالية التدبير والتسيير هاته أن تنجح بدون مبدأ ثاني مرتبط بها جدليا، وهو مبدأ التكاملية والتضامن الجهوي والمجالي بين الجهات، والذي سيسمح لاستقلالية القرار المجالي أن تكون منتجة في حضن الوطن وبنظرة متكاملة في وضع الاستراتيجيات الكبرى، والتي سينتجها عقل جمعي منتخب من كل جهات الوطن، وهو ما سيعطي لحمة أكبر للديمقراطية التمثيلية الحقة وتمتين مفهوم الانتماء التشاركي للوطن، وهذا الطرح ليس مسألة تقنية فقط، بل يجب أن يصبح مدخلا للتغيير الديمقراطي الحقيقي، وتوسيع مجال الحقوق والحريات.
  3. إن العالم مستقبليا، متجه بسرعة نحو التكتلات الدولية الكبرى، وهي ماكرو-تجمعات اقتصادية تتجه للهيمنة على الدول المنفردة التي تعاني من الترهل الداخلي، لهذا فلا مستقبل للتنطعات الفردية للدول، وإلا أصبحت تابعة لخدمة أجندات كولونيالية جديدة لمصلحة حكامها ومصالحهم فقط وتنفيد أجندات خارجية، في هذا الصدد فكل تأخر في بناء الوحدة المغاربية، سيكون تعميقا لفرض التكتل الأوربي وأمريكا لخياراتهم التقسيمية في المنطقة، ولا يظنن أي واهم، أن الصحراء بالمغرب فقط هي المطمع الوحيد لتفتيت المنطقة.. فبسرعة البرق يمكن للنهج الكولونيالي تفجير النزعات التقسيمية بطوارق الجنوب في الجزائر أو القبيليين شمالا، أو بنزعة تفتيتية بين شرق وغرب ليبيا أو بين أصول السود والبيض في موريطانيا، أو تحريك الجماعات الإرهابية على الحدود التونسية أو توجيهها من الساحل الإفريقي للشمال المغاربي.. فلا مناص للشعوب المغاربية إلا بفتح حدودها بينها وضمان حرية تنقل الناس وسلعهم دون قيود.. في إطار من التكامل المنتج اقتصاديا وثقافيا.. والتفكير بخلق حكومة مغاربية بوزراء مغاربيين في كل القطاعات لتنسيق الاستراتيجيات الكبرى. وتبقى كل المنافذ البحرية والموانئ لكل الدول المغاربية حرة لتنقل البضائع دون قيد أو شرط بين الشعوب، فقط ببطاقة الهوية المغاربية. وبالدفع بمجمعات صناعية مشتركة كبرى وموانئ مشتركة صخمة..
  4. إن المنطقة المغاربية، عاشت ولقرون تداخلات حضارية متنوعة جدا، أعطت للمغاربيين غنى ثقافي، من المهم الارتكاز عليه، لصهر ارتباطاتنا الثقافية وامتزاجها، بما يحفظ أيضا صون الهويات الثقافية الخاصة، عاداتها وطرق عيشها، فلكلورها إبداعاتها، وهي قوة حضارية تربط ثقافة الحوض البحر المتوسط بالجذور الإفريقية جنوب الصحراء، بأمواج الساحل الاطلسي والرياح القادمة من الشمال والشرق، بالتأكيد سيكون هذا التداخل عامل نهضة ثقافية مغاربية في الموسيقى والمسرح والشعر وكافة الفنون.. فلا مجال لفرملة طموح الشعوب المغاربية للإنصات إبداعيا لبعضها.
  5. إن صعود التجمعات البشرية القوية، مستقبلا، رهين بالاستثمار في العنصر البشري، وتنمية قدراته، وهذا مدعاة لوضع تخطيط قريب وبعيد لرفع تأهيل المغاربيين في التكنولوجيا الحديثة، برسم معالم خلق اكتفاء ذاتي داخلي، يجعلنا في منأى عن التبعية المفروضة من طرف التكتلات الغربية (الكولونيالية القديمة/الجديدة)، وهذا التوجه للتحديث العلمي سيقود المغاربيين لا محالة لتحول فارق في ميادين العلوم والبحث والتطور التكنولوجي، وسيجعل التكتل المغاربي بالإضافة لموقعه الجغرافي.. قاطرة تقدمية لإفريقيا وللمنطقة، وسيفتح مستقبلا زاهرا لريادة المغاربيات والمغاربيين دوليا.
  6. إن القلاقل والدمار الذي تسبب فيها العسكر بالمنطقة، والتفكير العسكري، يجعل المطمح الأساسي هو بناء السلم الأهلي وأمن كل المغاربيين، ومدخله هو بناء قوة أمنية بجيش مغاربي، مهامه الأساسية حماية ساكنة المنطقة المغاربية، وردع أي تدخل أجنبي وأي مطامع في مقدرات المنطقة، والتدخل الرزين لحماية المدنيين وتأمين سلامتهم، ومن شأن هاته المقاربة إعطاء مناعة وهيبة للمنطقة في التعامل مع بقية التكتلات الأخرى..
  7. إن نهضة المنطقة اقتصاديا وديمقراطيا، ستفتح المجال لرسم استراتيجية تعليمية راقية، تعطي للجانب التنويري مكانته، أخذا بعين الاعتبار هذا الزخم من التنوع الحضاري والهوياتي، لبناء أجيال متعلمة وواعية، قادرة على قيادة قاطرة المنطقة نحو التقدم العلمي والحضاري، لهذا فالمناهج التعليمية من الأفيد أن تنبني على تدريس وترسيخ قيم الوحدة المغاربية والهوية الحضارية المتنوعة، وتأسيس الجامعات الكبرى المفتوحة لتسجيل كل المغاربيين ومختبرات البحث العلمي والمكتبات الضخمة ومراكز الدراسات..
  8. إن النساء والشباب المغاربيين هم رافعة المستقبل بالمنطقة، ويشهد التاريخ على قدرتهم (هن) في خلق التحولات الكبرى والانعطافات التاريخية نحو مستقبل أفضل، والمرأة المغاربية كانت دائما في مقدمة التحرير والبناء منذ الحضارات القديمة في المنطقة.. فلنثق في شبابنا لطي صفحة أليمة من النزاعات، فطروحات النساء والشباب واضحة ولا لبس فيها، فكلما نزلوا لحراك أو التظاهر بشوارع الدول المغاربية، كانت تتمحور صيحاتهم حول الدفاع عن الديمقراطية والتنمية والسلم ومحاربة الفساد والاستبداد وترسيخ الحقوق والحريات.. وهاته القيم لا يمكن أن تنجح في بيئة استبدادية، لهذا فلا مناص لشعوب المنطقة من تحرر مشترك ووحدوي دون نزعات فردية أو تقسيمية لأي بلد، بل بالعكس فسعينا الأساسي لمحو كل الحدود الاستعمارية، لنعيش في بلد مغاربي واحد.
  9. لكل دولة مغاربية منفذها على البحر، لكن للأسف، تُبرَم معاهدات ثنائية بينها والاتحاد الأوربي حول الصيد البحري، مما يضعف قدرتها التفاوضية، خصوصا بتحريك المفاوِض الغربي لورقة الضغط بملف قلاقل داخلية أو مساومة رخيصة من أجل فرض شروط تفضيلية له في عقود استغلال الثروة السمكية.. فلنفكر بصوت مرتفع.. ماذا لو امتلكنا أسطولا بحريا مغاربيا قويا، يمكننا من التحكم في مقدراتنا السمكية كاملة على طول السواحل المتوسطية والأطلسية، أكيد أن كل ساكنة المنطقة ستحقق اكتفاءها الغذائي السمكي، وسيمكننا أسطول الصيد والتعليب وموانئ الصيد الحديثة المشتركة، في مبادلة عادلة مع الضفة الشمالية وبقية التكتلات التي لها رغبة في مبادلتنا لمقدراتنا في الصيد بمياهنا الإقليمية.
  10. كل مرة كانت تلوح عبارات رنانة في تفاوض الأزمات، بين البلدان المغاربية، مضمونها “الاستغلال المشترك” للثروات الباطنية، لكنها لم تصل يوما لمجال التطبيق بسبب النزاعات المفتعلة. آن الأوان لبناء استراتيجية مغاربية للتكامل الاقتصادي العادل، مبني على الاستفادة المتبادلة والاستغلال المشترك للمقدرات والثروات بما يفيد شعوب المنطقة، من ناحية المعادن والموارد الفلاحية والمائية والطاقية والخبرات والتجهيزات.. ومخطط التكامل هذا كفيل بخلق تنمية شاملة بالمنطقة، تكون رافعة لسيادة ديمقراطية شاملة للشعوب بالمنطقة.