د. علي بوطوالة يقرأ نتائج الانتخبات الرئاسية الأمريكية

0
51

الكاتب: د. علي بوطوالة

بعد ترقب طويل، تم الإعلان الرسمي عن انتخاب جو بايدن رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية، وترافق هذا الإعلان بسيل من التحاليل والتعليقات حول أبعاد وتداعيات الانتخاب على أمريكا والعالم في هذه الظرفية الاستثنائية. هناك من هلل لانتصار بايدن وعبر عن ارتياحه خاصة من طرف حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية التقليديين في أوروبا، وهناك من قلل من شأنه على اعتبار أن ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية لن تتغير بمجرد انتخاب رئيس جديد ولو كان ممثلا للحزب الديموقراطي. بهذه المناسبة تذكرت جواب الشهيد أبو إياد حين سأله أحد الصحفيين الغربيين عن الفرق بين حزب العمل وحزب الليكود فقال ساخرا “هو مثل الفرق بين بيبسي كولا وكوكا كولا!”. ومع ذلك فالواقع أكثر تعقيدا ممايبدو، ذلك أن الأمر لا يتعلق بانتخاب رئيس دولة كبرى ومؤثرة في صناعة القرار الدولي فقط، بل بتغيير إدارة أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وتكنولوجية عرفتها البشرية حتى الآن، ولها تأثير حاسم على توجه المؤسسات الدولية السياسية والمالية والاقتصادية. لقد مثلت رئاسة ترامب الفاشي والعنصري تحولا خطيرا في توجهات هذه القوة، أربك حتى حلفاء الولايات المتحدة، لأنه فتح المجال لعودة اليمين المتطرف للسلطة في عدد من بلدان العالم، وبالتالي الإجهاز على ما حققته البشرية من إنجازات اجتماعية ومكتسبات حضارية وتراكمات ايجابية على مسار إنتصار القيم الإنسانية في الحرية والسلم، والديمقراطية والكرامة، والعدالة الاجتماعية. وأخطر من ذلك الزج بالمنطقة العربية في نفق مظلم بتفجير تناقضاتها و بتقوية أعتى أنظمتها الرجعية، ومحاولة الإجهاز النهائي على القضية الفلسطينية كقضية مركزية للشعوب العربية لتحقيق طموحات الصهيونية في بسط سيطرتها على ثروات الوطن العربي بأسره.

صحيح أن مسلسل الثورة المضادة، المسمى زورا بالربيع العربي قد انطلق في رعاية إدارة الحزب الديموقراطي بقيادة أوباما، وكان يستهدف إعادة هيكلة المنطقة لجعلها احتياطا استراتيجيا لأمريكا في مواجهة القوى الصاعدة في آسيا، لكن وصول ترامب الى البيت الأبيض جعل هذا المسلسل يصل إلى أخطر حلقاته. وكان من مؤشرات ذلك نقل السفارة الأمريكية إلى القدس وتزكية بناء المستوطنات وضم الجولان السوري المحتل والإعلان عن صفقة القرن، وفرض قانون قيصر لمضاعفة الحصار القاتل على سوريا، وأخيرا فرض التطبيع على الأنظمة العربية الخاضعة والتابعة مع الكيان الصهيوني. أما على المستوى الدولي فقد قرر ترامب الانسحاب من اليونسكو ومن اتفاقية المناخ وأخضع العلاقات التجارية لمنطق الابتزاز والضغوط، وشدد الحصار على إيران، ودفع بالصراع الاقتصادي مع الصين إلى أوجه، وقزم دور الأمم المتحدة ضاربا بالقانون الدولي عرض الحائط، معيدا العالم إلى سباق التسلح والتوحش.

أكيد، أن التغيير الجديد في الإدارة الأمريكية بوصول خبير في السياسة الخارجية الأمريكية لن يحدث انقلابا جذريا في توجهات الولايات المتحدة الإستراتيجية، ولكن من المتوقع بالنظر الى البرنامج الانتخابي لجو بايدن، أن يقرر هذا الأخير العودة إلى اتفاقية المناخ ودعم منظمة الصحة العالمية من جديد، وتغيير التعامل مع إيران استمرارا لسياسة أوباما الذي كان عراب الاتفاق النووي، وعموما العودة إلى الساحة الدولية بالتركيز على المصالح المشتركة والديمقراطية وحقوق الإنسان، مما سيشكل ازعاجا للأنظمة الاستبدادية في المنطقة العربية والتي ستضطر لا محالة إلى مراجعة حساباتها.

في هذا السياق ينبغي التذكير أن اتفاق أوسلو قد تم توقيعه في عهد كلينتون، أي في عهد إدارة الحزب الديمقراطي. وهنا يجب التنبيه من مخاطر الرهان من جديد على أوهام التسوية في ظل الخلل الفادح لموازين القوى بين قوى التحرر الوطني الفلسطينية والعربية من جهة وبين أطراف التحالف الصهيوني الإمبريالي الرجعي في الجهة المقابلة. إن التمسك بوحدة الصف الوطني الفلسطيني على قاعدة مقاومة الاحتلال الصهيوني بكل أشكالها، وبتمتين الروابط بين مكونات محور المقاومة، ومحاربة التطبيع، وتوحيد فصائل حركة التحرر الوطني العربية، هي المداخل الضرورية لخلق ديناميكية جديدة في سياق دولي مطبوع بالانتقال من الأحادية القطبية إلى تعددية قطبية، يميزها استرجاع القوى التقدمية لمكانتها على الساحة الدولية. في هذا الأفق ينبغي أن تصب كل جهود وطاقات قوى التحرر والتقدم والديمقراطية بغض النظر عن أي اعتبارات أخرى قد تكون وجيهة مثل وضع حد للاقتتال والصراع في اليمن وليبيا على قاعدة الوحدة الوطنية، وتطهير سوريا من فلول الظلامية، لكن ينبغي أن يبقى تحرير فلسطين دائما هو البوصلة.