ستبقى روحك يا عمر شعلة متوهجة

0
154

الكاتب: عبد الصمد بنشريف

*(تنويه:هذه الخاطرة كتبت في دجنبر 1984 عندما كنت أقضي عقوبة سجنية لمدة 3سنوات كمعتقل رأي في السجن المدني بوجدة وكنت آنذاك أبلغ من العمر20سنة ، ونشرت باسم مستعار هو حسام البيروني في أسبوعية “المسار” التي كان يديرها المناضل والقيادي والمثقف الراحل العزيز أحمد بن جلون شقيق الشهيد عمر بن جلون . الخاطرة كتبت بمناسبة إحياء ذكرى اغتيال القائد النقابي والسياسي عمر بن جلون التي تصادف 18 دجنبرمن كل عام ،اليوم ونحن نعيش تحت وطأة جائحة وباء كرونا المستجد، ارتأيت تقاسم هذه الخاطرة مع الصديقات والأصدقاء بعد عقود من كتابتها .وحافظت عليها كما كتبت في الأصل.وأعتقد أنها على عفويتها وبساطتها ،مازالت صالحة للقراءة ومتناغمة مع سياقات معينة نعيشها ).

“نتفرس مليا تضاريسك أيها الوطن، نحث الذاكرة على امتصاص التواريخ و الأرقام، والتقاط صور الجراح و الأحزان. نغوص في أعراسك الدموية، لنستعرض قائمة الشهداء الذين انتزعوا منك ومنا ،لتقدم لهم هدايا التغييب الأبدي، و ليرحلوا ترحيلا.
قبلك يا عمر، رحل المهدي و هو قامة متشحة بالفتوة و العنفوان ،كان نسرا يحلق بحيوية و ثبات فوق القارات الثلاث مصافحا بيديه الصامدتين الشعوب المضطهدة و المقهورة ،و من بعده توالت عملية الطعن و التقتيل و النسف القسري فامتلأ قاموس الاغتيالات بالأسماء/ الابتسامات التي أقسمت على أن تكون أغنية صارخة تعزف لعاشقي رفاق الخبز و الشمس .فمن منا لا يذكر و يحفظ بدقة أسماء رحال ودهكون زروال وسعيدة وكرينة والدريدي وبلهواري ….
من منا يقدر على حذف صور الأجساد التي نزفت دما و الأزهار التي حيكت ضدها مؤامرة التهشيم و الإبادة.
إن اسمك يا عمر يذكرنا بمواقف ذلك الإنسان الذي أتقن حرفة التسرب إلى قلب المعامل و المصانع، ليمارس تجربة عشق رائدة مع الوجوه المتجعدة و السواعد المكدودة ، وليبث في أحشاء الياقات الزرقاء ألف باء التمترس، لدرء أخطار التطاول الرأسمالي ،و الوقوف سدا منيعا في وجه الرياح الطبقية التي تهب محملة بسموم الاستغلال و القهر.
إن الدم الراعف/النازف الذي سال من جسدك لن يذ هب سدى . إنه مازال ينضح و يضوع بالطراوة، تفوح منه رائحة الرجل الذي انغرس في أحزان و آهات شعبه ،وامتزج فكره بمشاكل و هموم الطبقة العاملة التي وقف إلى جانبها و كرس عمره النضالي لتأطيرها و توجيهها . إن دمك يا عمر / روحك حية تنتفض في أجسام كل الذين أدركوا أبعاد فكرك و قطعوا العهد على أنفسهم ليصونوا الجسر الذي شيدته و المؤدي إلى مواجهة و مقارعة القهر الطبقي.
إنك مازلت شعلة متقدة و نبراسا منيرا للطريق، و إزميلا يدك أدران الانحرافات العطنة التي تزيغ عن سكة التاريخ. وجهك الأسمر يا بن الشعب الذي كان يضاجع البسمة الدافئة بلا انقطاع، ما فتئ مرسوما قرصا شمسيا يلفح وجوه الكادحين في كل قرية و مدينة عانقت دروبها، وعشقت حتى النخاع أطفالها، الذين امتدت إليهم مخالب الاستغلال في زمن التبعية ، ليشهدوا أنهم بالاضطهاد و التفقير و التهميش محاصرون .إننا يا عمر حين نلتقي بك في ذكراك فإننا نعانقك ..نتوحد بموافقتك ..ننصهر في بوتقة
طموحاتك و طموحات جماهير شعبنا.. نلتقي بك لنذوب تحديا صارخا في وعاء أحلامك، ولندلف إلى ساحة عرسك المضرج بالدم، و المضمخ بروائح العشق المنحوت من صخرة قلبك.
على إيقاع الصرخات التي يتعالى صخبها من رحم الأكواخ و الأحياء المقهور ة،أقول لك يا عمر :إن وجه الوطن مازال موشوما بالحفر و الندوب وسيبقى طريقك طريقنا ،هو الجسر و المعبر، و دمك هو الحبر الذي سنكتب به أعراسنا و أفراحنا على صفحات الجراح و الأحزان. “

بقلم : حسام البيروني