شهادة الفقيد جمال أوفتيح حول مجزرة 7 ديسمبر 1982بجامعة محمد الأول بوجدة

0
650

الكاتب: يوسف الطاهري

نم قرير العين رفيقي جمال أوفتيح ستبقى حاضرا معنا إلى الأبد.
الفقيد جمال اقتيح الذي رحل في سن مبكر من حياته 55 سنة والتحق بالرفيق الفقيد يوسف تمجردين رفيقه في أوطم وفي السجن بل كانا يقيمان في نفس الزنزانة رقم 6 في حي المحكومين، رحل بعد مرض عضال وقاوم الموت إلى آخر رمق. صمد طويلا إلا ان باغته الموت يوم الاثنين 12 ديسمبر 2016.
تحضرني صوره في السجن المدني بوجدة و لقاءاتنا في هولندا والرباط في المؤتمر السابع لحزب الطليعة ومقاهي بركان، ولا أجد أفضل تكريم له غيرالعمل على نشر ما كتبه في السياسة والأدب والثقافة
.
في شهر ديسمبر 2013 نشرت تدوينة حول مجزرة 7 دسمبر 1982 بجامعة محمد الاول بمدينة وجدة وطلبت في التدوينة من كل من عاشوا المجزرة، أو كانوا آنذاك فاعلين سياسيين في الحركة الطلابية أو الجماهيرية ان يساهموا بما يملكون من معطيات أو انطباعات حول الحدث الرهيب الذي عاشته مدينة وجدة والمنطقة.
ومن المساهمين في هذا النقاش سيكون الفقيد جمال أفتيح أحد الفاعلين والمسؤولين في أجهزة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عضو مجلس القاطنين والذي سينال سنتين من السجن على إثر انتفاضة يناير 1984 وقبلها وبعدها معاناة مع اجهزة القمع بسبب انتمائه السياسي ونضاله في الحركة الطلابية وقبلها التلاميذية بالناضور
هذا ما كتبه الفقيد أوفتيح:

ديسمبر جرح عميق لا ينسى، مازالت تفاصيل ذلك اليوم الأسود تحضر من حين لآخر بقوة في ذاكرتي!! يوم كاد أن يودي بحياتي، كان يوما نضاليا بامتياز. يوما صداميا ساخنا مع جهاز “الأواكس” بالرغم من برودة الطقس في وجدة. وكما جاء في ما ذكرته أعلاه الأخ يوسف، أن هذه المعركة جاءت في سياق مواجهة سياسية ما سمي أنداك بالإصلاح الجامعي، و انتهاك الحرم الجامعي بإقحام عناصر “الأواكس” فيه، و في خضم المعمعة النضالية التي عرفها القطاعين الطلابي و التلاميذي على الصعيدين المحلي والوطني، وقبل مجزرة 7 ديسمبر سبق لمهندس المجزرة حميد البخاري (عامل إقليم وجدة و الذي تمت ترقيته بعد الحدث مباشرة إلى مدير الأمن الوطني) أن زار الحي الجامعي ليستعرض عضلاته و ليسمعنا، في المطعم 1، تهديده ووعيده إن نحن استمرينا في معاركنا النضالية، لأن و جدة، حسب زعمه، مدينة تقع على الحدود مع ” الأعداء”!!
لكن أمام إصرار الطلبة على مواصلة معاركهم وممارسة حقهم المشروع في الدفاع عن مكتسباتهم ومنظمتهم أ.و.ط.م وفي حماية حرمة الجامعة، لم يجني البخاري إلى خيبة الأمل، بل لم يستطع حتى إكمال كلمته، إذ كان الطلبة يقاطعونه بالشعارات الصاخبة رغم أن الحي الجامعي كان مطوقا بكل الأجهزة القمعية.
عودة إلى 7 ديسمبر. كل المؤشرات تدل على أن المجزرة لم تكن تلقائية أو ردة فعل آنية لأجهزة القمع، بل كانت مدروسة ومهيئ لها بإتقان. فبعد أن تم طردنا من كل الكليات نحو الحي الجامعي و تجميعنا هناك، قام عنصرين من أبرز عناصر “الأواكس” (أحدهما ساهم في تعذيبنا إثر اعتقالات 1984) باستفزازات غريبة لم نتعود عليها لا في الحي و لا في الكليات، بحيث جاءا المعنيان إلى مجموعة من الطلبة كانوا واقفين قبالة الجناح ب و الجناح س للحي الجامعي وكنت من بينهم، و هم يعرفونني جيدا لأني كنت من الوجوه البارزة في الساحة التي تصطدمون بها يوميا، فبدءا يطلقان كلاما بذيئا كـ:” اليوم غادي نشوفو الرجلة ديالكم آ الزوامل” ، الشيء الذي آثار غضبنا فبادلناهم السب و الشتم، و حين حاول أحدهما (العنصر الذ ي ساهم في تعذيبنا لا حقا) أن يمسك بعنقي، لكمته بقوة على خده و اعقبت اللكمة بركلتين فلاذا الإثنين بالفرار إلى مبني خلف الجناح ب، حيث كان يقيم بعضهم، فلحقناهما جريا، لكنهما أحكما إغلاق الباب.
للحديث بقية أحس الأن بشئ من العياء، تحياتي الأخ يوسف على طرح هذا الموضوع لتحريك الذاكرة حتى لا ننسى مجزرة 7 ديسمبر الرهيبة. ومعذرة على بعض التفاصيل التي أراها ضرورية ليكتمل المشهد.
(الحلقة الثانية)
أثار هذا الحادث انتباه الطلبة-القاطنين وغير القاطنين-الذين كانوا متجمهرين في الحي فاتجهوا نحو بناية “الأواكس” محاولين فتح بابها بالقوة، وبعضهم ألقى بالحجارة نحو زجاج نوافذ البناية فنشأت في تلك الأثناء حالة من الهستيريا الجماعية، لكن استطاع بعض المناضلين تهدئة الوضع لاحقا.
وفيما نحن في نقاش الطرق النضالية الواجب اتباعها لمواجهة هذا الطارئ والاستمرار في معركتنا ضد ” الإصلاح” الجامعي في شكل حلقيات صغيرة، تدخلت قوات القمع التي كانت خارج أسوار الحي مدججة بالعصي والهراوات، فواجهناها بالشعارات المنددة بانتهاكها لحرمة الحي، لكنها استمرت في التقدم من جهات مختلفة إلى أن وصلت إلى مدخل الجناح ب والجناح س حيث وقف الطلبة وجها لوجه أمامها ودخلوا معها في نقاش لم يدم إلا بعض الدقائق، وبعدها جاء الأمر عبر جهاز الاتصال اللاسلكي باستعمال العنف، فكانت بداية المجزرة.
ذكرني ذلك المشهد الرهيب بفيلم: Il pleut sur Santiago” للمخرج “هيلفيو سوتو” حول الانقلاب الفاشي في الشيلي سنة 1973 بقيادة بنوشيه. ومن غريب الصدف أن هذا الفيلم كان قد عرض في سينما لوباري في وجدة في نفس الموسم الجامعي. عساكر مجردة من أي حس إنساني ومن أية رحمة أو شفقة وكأنها كانت تتنافس على إظهار ساديتها وحشيتها أمام الطلبة العزل، بعد بدأ استعمال العنف، فر الطلبة إلى غرف الحي لأنهم كانوا محاصرين من كل جانب ولاحقتهم قوى القمع حتى أخر غرفة في الطوابق العليا، فلم يكن يسمع إلا الصراخ والعويل والآهات واصوات تكسير الأبواب والزجاج والضرب والسب والشتم، ولم يكن من الممكن معايشة ومعاينة هذا القمع الهمجي بشكل جماعي، لان الطلبة تفرقوا على الغرف. دامت هذه الوحشية ما يقرب من الساعة، و بعدها تم إنزال كل الطلبة إلى ساحة الحي بعد أن تفنن الزبانية في كل أشكال الضرب و الركل والرفس و تكسير العظام، تاركين أثار همجيتهم على جدران الغرف و في أروقة أجنحة الحي، دماء على الأرض، احذية و كتب متناثرة هنا وهناك، شظايا الزجاج ..إلخ. ونجدر الإشارة إلى أن بعض الطلبة حاولوا الفرار عبر نوافد الطوابق العلوية لأجنحة الحي مما تسبب لهم في كسور الأرجل أو الأيدي، و البعض الآخر لجأ إلى جناح أ الذي كان خاصا بالطالبات.