الزجال علي مفتاح يكتب: كلا لم يتغير .. و تغير كل شيء في وطني

0
498

لم تفرز صناديق الاقتراع ليوم 8 شتنبر اي شيء جديد ،هتك عرض العدالة و التنمية كان متوقعا ، اغتصاب أمل الشباب في تغيير حقيقي كان محسوما ، تقزيم اليسار كان مخططا له منذ فترة الانبطاح الأول مع عبد الرحمن اليوسفي ، اكتساح الأحزاب اليمينية المخزنية لجل الدوائر و الأصوات كان مخططا له . إن ما عشناه يوم 8 شتنبر هو في الحقيقة درسا بليغا في التدبير السياسي المخزني .
أعترف في البداية أني لست محللا سياسيا، بل أكثر من هذا أكره السياسة و السياسيين ، و لم يسبق لي أن مارستها ، حتى واجب التصويت لم يسبق لي أن مارسته و ذلك لقناعة راسخة بداخلي ،ان السياسة في وطني لعبة حقيرة تصيب كل من يعيشها بالغثيان ، و أن من يحكم هذا الوطن هو المخزن ،و أن الأحزاب هي آلية يوظفها الحاكم و يصبغها حسب اللون المشتهى، و أن الشعب قاتل و ضحية في نفس الآن، يمشي إلى صندوق الاقتراع/ حتفه باسما ،و هو يدرك أكثر من غيره أنه منح صوته لمصاصي دماء ،سيسلبونه قوته و إرادته، و سيرمون جثته لذئاب تجيد لعبة التفقير الممنهج .
كلا لم يتغير أي شيء في وطني ، كائناتنا السياسية فهي سريالية، تفسخ جلدها حسب الطلب و حسب مبدأ ” لي خذا أمي نقول له عمي ” ، تمشي منبطحة، تزحف على بطنها، مستعدة في أي وقت لكي تعرض جسدها لاشتهاءات المغتصِب . كل الكبار رحلوا ،كل الرجال الأوفياء لهذا الشعب انصرفوا ، و لم يعد في الساحة عاقلا يحمل رأسه بيده و يصيح بأعلى صوته في وجه الاستبداد و الاستغلال ،يستعير صوت من ماتوا و في قلبهم حب هذا الوطن ،لكي يقول و هو يعرض صدره للقناص الذي يتربص بكل من فضل الكلام عن الصمت : ” اللهم إن هذا لمنكر ” .
كلا لقد تغير كل شيء في وطني ، لم يعد للمثقف اي دور يلعبه ، أصبح لعبة ثقافية في أيدي مخزننا الكبير ، أصبح مثقفا على المقاس ،يصنع أفكارا على المقاس ، يكتب قصيدة شعر على المقاس ، و ينحني كما لغته على المقاس ، ابتلانا الله بمثقفين أدوا القسم أمام حروف العلة ،و جلسوا في حضرة النعت جواسيس و مخبرين ،يأكلون ما لذ و طاب من حروف الهجاء ، تجدهم في كل المنابر ،يفكرون يكتبون ،يجيدون مدح المخزن و حاشيته،و في المقابل يتبولون و يبصقون على الشعب و كل قضاياه ، نعم لقد تغير المثقف في بلدي ، أصبح محايدا أكثر من الحياد نفسه ، أصبح يخاف من مخافر الشرطة ،و من دوائر الاستنطاق، يجالس مقدم الحي الذي يملي عليه ما سيكتبه في مدح القائد و هو يكسر عربات الخضر للباعة الفقراء .
كلا لم يتغير اي شيء في وطني ، مازالت نتائج الانتخابات تطبخ في دهاليز الداخلية كما العهد الرصاصي القديم ، و مازالت صناديق الاقتراع زجاجية لكنها من الداخل سوداوية ، و مازال عون السلطة هو المتحكم الأول و الأخير في الحملة الانتخابية ، لم يتغير اي شيء ،تغيرت أساليبهم لكنهم لم تتغير أهدافهم . يطرق باب بيتك مقدم الحي، يعد و يتوعد، مازالت ” الزرقا لاف ” تحكم و تتحكم في المشهد كله ، و مازال المواطن على عادته القديمة ،يسب كل الأحزاب و يلعن أجدادهم القدامى و المحدثين ،و أمام الصناديق يطبق تلك المقولة التي دمرت مشهدنا السياسي و دمرت معه ثقتنا في منتخبينا و في المستقبل : ” حلال عليكم فلوسهم و حرام عليكم أصواتكم ” .
كلا لم يتغير أي شيء في وطني ،مازال المخزن يصنع أحزابا و يطيح بأخرى ، مازال النموذج التدميري يمضي قدما نحو ترسيخ شعور عام بعدم الثقة في الخطابات الرسمية و كل مكونات مشهدنا السياسي ، مازال أمثال حزب العدالة والتنمية يتربعون فوق رقابنا ،كل حسب ايديولوجيته، يطبقون ما يفتى عليهم في الخفاء و العلن ، يمشون فوق جثتنا حسب ما يقتضيه البروتوكول المخزني ، و من مبدأ التغيير و التنويع في أساليب حكمهم ، و بعد تأكدهم أن الحزب المحدث قد أدى دوره في خدمة مخزننا الكبير ، يطيحون به بشكل مذل، فما وقع للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بالأمس، و العدالة و التنمية اليوم لخير دليل أن دار لقمان لا تبقى على حالها ، درس عميق ، و عبرة لكل الأحزاب الطاووسية المنفوخ ريشها .
كلا لقد تغير كل شيء في وطني، بالأمس عندما كان اليسار يسارا ،كان مخزننا الكبير يقدر حجم خصمه ، فكانت أساليب الردع عدوانية و صارمة، من اعتقالات و اختطافات و قتل ، و اليوم تغير كل شيء ، هناك يساريون، لا يمكن أن ننكر ذلك ، و لكن لم يعد أي شيء قد ندعي مجازا أنه يسارا، أصبح دور أحزابنا التي تدعي تموقعها في اليسار يتلخص في إصدار بيانات للتنديد فقط ،لم يعد لليسار ثقله الفكري و التأطيري، لم يعد لليسار حضورا في الفعل الثقافي ، يسار يتباهى بأمجاده الغابرة، كيان منخور من العمق ،يعيش اغترابه السياسي مثله كباقي الأحزاب المخزنية الأخرى، مجرد جزء من ديكور سياسي عام ،صورة تساهم في تلميع صورة حكامنا أمام الرأي العام الدولي على أن المشهد الذي صنعوه ،فيه من التنوع ما يكفي لكي يصفوا مشهدنا السياسي بالديموقراطي .
كلا لم يتغير أي شيء في وطني ،مازالت كل الانتخابات لا تحمل أي تغييرات في عمق الحياة العامة للمواطن المغربي ، بل ازداد الفقير فقرا ،و الغني غنى ، كل المحطات الانتخابية لم تخلف في نفوس شبابنا سوى الإحباط و اليأس، وعود كاذبة من أفواه تجيد الكذب ، و الشباب المغربي أصبح لا يخشى الموت و هو يحاول الهجرة للضفة الأخرى : ” سعداتنا البحر أوسع من أكتافنا ” . لقد تم تمييع كل المشاهد، و لم يعد هناك مجالا للحلم بالعيش الكريم ، تناوب على رقابنا كل الأطياف و الأشكال السياسية ، اشتراكيون ذقنا معهم كل أشكال الخيبات ، إسلاميون أغرقونا في الويلات ،و يمينيون ليبراليون يسوقوننا حتما نحو المماة ، فما أعظمك أيها المخزن الكبير، و ما أعظم ما تقوم به من أجل وطن مستثر تقديره أنت و لا أحد سواك .