قراءة في فنجان انتخابات 2021

0
64

   الكاتب: مراد بلميلود                      

   عمل المخزن منذ بداية الاستقلال الشكلي سنة 1956 على ترتيب الوضع على جميع المستويات ، قبل إقرار اللعبة الانتخابية التي أعطتها الدولة المغربية المعنى القدحي للكلمة . فتم اختلاق ثورات مفتعلة كما قال الشهيد المهدي بن بركة ، لتأجيل مطالب الإقرار بالخيار الدستوري والانتخابي من 1956 إلى سنة 1962 لوضع أول دستور  وتنظيم أول انتخابات سنة 1963  . سبع سنوات كانت كافية لتصفية بعض قادة جيش التحرير ، والقضاء على حراكات شعبية بالأطلس والريف بعد اتهامها بالتآمر ، وحل جيش التحرير والحزب الشيوعي المغربي ، والقيام بحملة قمع شرسة واسعة في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية…. مقابل ذلك ، أسس المخزن الحركة الشعبية وجبهة الدفاع عن المؤسسات وأغدق عليهم بالمال وغيره ، استعدادا لمواجهة حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية  .

   فاستمر المخزن في التحكم في العملية الانتخابية منذ 1963 إلى يومنا هذا ، بتزامن مع التحكم في المشهد السياسي العام من خلال القيام بالعديد من الاعتقالات المقرونة بتعذيب وحشي و المحاكمات و قرون من السجن والتصفيات الجسدية . فرغم تراجع أساليب التزوير البشعة التي كانت سائدة في البداية للتحكم في النتائج ، أصبح مؤخرا التحكم في النتائج الانتخابية أكثر تقنية ، بعد تطويع أغلب الأحزاب السياسية المعارضة ( الاستقلال/ الاتحاد الاشتراكي/ التقدم والاشتراكية/ العدالة والتنمية )، حيث صارت كل الأحزاب الكبرى تتنافس من أجل خدمة صاحب الجلالة أكثر ، وليس  من أجل تطبيق مشاريعها الانتخابية .

   إن المخزن اليوم أفرغ الانتخابات من أي مدلول ، عندما أفقدها المعنى المتمثل في امتلاك السلطة . فرغم التسليم باختيار رئيس الحكومة من الحزب الأول في دستور 2011 ، لا زالت السلطة بيد الملك على المستوى المركزي ، ولازالت بيد الولاة والعمال والقياد والباشوات على المستوى الجهوى والإقليمي والمحلي . ومازال التقطيع الانتخابي بعيدا عن أسس الديمغرافيا والجغرافيا ، ومازالت اللوائح الانتخابية تقتصر على المسجلين اختيارا لا تشمل كل البالغين سن 18 سنة ، ولا زالت القوانين التنظيمية في خدمة أحزاب محددة من خلال آليات مختلفة( المعدل / القاسم الانتخابي وأكبر بقية …) . كما تم تمييع العملية الانتخابية وضرب مصداقيتها ، بجعلها وسيلة لتحقيق المآرب الشخصية ، واستغلال المال والسلطة والدين للفوز ، بعيدا عن أي تنافس انتخابي اعتمادا على مشاريع ووعود قابلة للتنفيذ و القياس ، زيادة على تقزيم دور الأحزاب من خلال تجريدها من دورها التأطيري والتكويني والتنظيمي للجماهير وحصره في الدور التمثيلي النيابي.

   فمن مفارقات العملية الانتخابية بالمغرب ، والتي تؤكد ما ندعيه من تحكم في نتائجها ، أن تحصل لائحة فيدرالية اليسار على مقعدين بمجلس النواب سنة 2016 وهي التي حصلت على 164575 صوتا ، في حين تحصل لائحة الحركة الديمقراطية الاجتماعية على 3 مقاعد برسم نفس الانتخابات وهي التي حصلت على 77630 صوتا فقط . ويحصل حزب التقدم والاشتراكية على 12 مقعدا بعد حصوله على 273800 صوتا ، في حين حصل الاتحاد الدستوري على 19 مقعدا وهو الذي حصل فقط على 263720 صوتا .  هكذا توزع مقاعد البرلمان بناء على البعد أو القرب من مركز القرار ، وبناء على السجل العدلي للأحزاب المشاركة .

كما تعتبر اللوائح الانتخابية مجالا خصبا لخدمة العملية بمجملها ، من خلال التغطية عن المقاطعة الشعبية الحقيقية للعملية الانتخابية ، وخدمة لوائح بعينها في مواجهة لوائح أخرى بعينها . إذ بدل أن يكون عدد المسجلين تلقائيا 24 مليون ناخب ، وتكون نسبة المشاركة  27٪ ، تصبح نسبة المشاركة 45٪ كما توههمنا الرواية الرسمية ، ويستمر التحكم والتلاعب في اللوائح الانتخابية التي انخفض عدد مسجليها إلى 13 مليونا سنة 2011 بعدما كان سنة 2007 عدد المسجلين 15 مليون ناخب ، ليعود للارتفاع مرة أخرى سنة 2016 حيث بلغ 15 مليونا و700 ألف ناخب . انخفاض ثم ارتفاع في عدد المسجلين ، بعيد عن التحولات الديمغرافية ، قريب من التحولات التي عاشها المشهد الانتخابي باقتحامه من طرف العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة .

عموما ، يمكن توصيف المشهد الانتخابي خلال سنوات 2007و2011 و 2016 ، وذلك من خلال النتائج الرسمية المتعلقة بعدد الأصوات المحصل عليها كالتالي :

 _1 استقرار النتائج : بالنسبة لحزبي الاتحاد الاشتراكي والحركة الشعبية ،و ذلك بحصولهما على حوالي 400ألف صوت لكل واحد منهما ، يقل أو يزيد قليلا من 2007 إلى 2016 .

_2 تحسن طفيف : بالنسبة لحزبي التقدم والاستراكية الذي رفع من عدد أصواته بحوالي 15 ألف ، والاتحاد الدستوري الذي رفع عدد أصواته بحوالي 40 ألف صوت  .

_3 تحسن بين : بالنسبة لحزبي الاستقلال الذي رفع عدد أصواته بحوالي 200 ألف صوت ، و التجمع الوطني للأحرار الذي رفع عدد أصواته بحوالي 100 ألف صوت  

_4 الاكتساح : بالنسبة لحزب العدالة والتنمية الذي يرفع كل ولاية عدد أصواته بأكثر من 500 ألف صوت ، حيث انتقل من 503396 صوتا سنة 2007 إلى 1618963 صوتا سنة 2016 . ونفس الأمر مع حزب الأصالة والمعاصرة الذي رفع عدد أصواته من 524386 صوتا سنة 2011 إلى 1216552 صوتا سنة 2016 .

_5 الاندثار : عانت منه العديد من الأحزاب المشاركة في الانتخابات ، خصوصا في انتخابات 2016 ، حيث فقدت العديد منها تمثيليتها بمجلس النواب كجبهة القوى وحزب العمل والحزب الاشتراكي والنهضة والفضيلة والوحدة والديمقراطية ….

   إن التحولات المشار إليها سابقا ، والتي مست الأحزاب المشاركة في الانتخابات ، لم تتأثر بكل الصراعات والمناورات التي عرفها الصراع الساسي . فهاهو حزب الاستقلال الذي عاش انقلاب شباط على عباس والذي انقلب عليه أيضا ولد الرشيد بواسطة نزار البركة، يحافظ على ترتيبه الانتخابي و يرفع عدد أصواته . وها هو حزب العدالة والتنمية يستمر في اكتساح المشهد الانتخابي وتحسين أدائه من حيث عدد الأصوات وعدد المقاعد المحصل عليها ، رغم أن الدولة قامت بكل ما هو مباح وغير مباح لضرب مصداقيته ودعم غريمه حزب الأصالة والمعاصرة ، ورغم أنه ارتكب جرائم في حق فقراء الشعب المغربي وطبقته المتوسطة بسياسته الحكومية. وهاهو الاتحاد الاشتراكي الذي لم يتبق منه سوى الاسم ، يحافظ على قاعدته الانتخابية رغم أن إدريس لشكر مسخ الحزب وأفرغه من نخبته. وهو حزب الأصالة والمعاصرة الذي كرر تجربة (الفديك) ، و كان مجمعا للانتهازيين والوصوليين و شناقة الانتخابات قريبا من الفوز برئاسة الحكومة . إنها نتائج بعيدة كل البعد عن أية قراءة منطقية للوضع العام ووضع الأحزاب السياسية ، تجعل حزب العدالة والتنمية مرشحا للفوز بولاية ثالثة ، خصوصا بعد إنهاء دور حزب الأصالة والمعاصرة بعد فشله في هزم حزب العدالة والتنمية والانشطار التنظيمي الذي عرفه بعد إنهاء ولاية أمينه السابق و واللاحق . وازداد الأمر ضبابة عندما احترقت أوراق عبد العزيز أخنوش من خلال حملة المقاطعة التي كان من أكبر ضحاياها .

   إذا يتبقى  أمام صاحب القرار خيار وحيد للإطاحة بحزب العدالة والتنمية ، إن تمت المحفاظة على نفس قواعد اللعب ، وذلك من خلال توجيه أمر للأحزاب (الكبيرة) بتقديم مرشح مشترك قادر على دحر مرشحي العدالة والتنمية . فالتحالف القبلي بين الأحزاب المعنية ، يمكنه أن يحقق توازنا مع هذا البعبع الانتخابي في مشهد مخدوم ، ما دامت القواعد الانتخابية ثابتة نسبيا لدى هذه الأحزاب ، وتجميعها قادر على توجيه ضربة قاسية لهذا المحترف الانتخابي  للعبة المخزن الانتخابية. خيار تصعبه الصراعات التي تعيشها هذه الأحزاب داخلها من أجل الفوز بتزكية انتخابية ، وتتعمق صعوبته عندما تصير هذه التزكية مشتركة بين أحزاب متحالفة . لكنه خيار ممكن ، مادامت هذه الأحزاب لا تملك استقلالية قرارها ، وأبانت عن استعدادها لتنفيذ كل ما يملى عليها ، ومادام حزب العدالة والتنمية تجاوز الحجم المسموح به للأحزاب في دولة المخزن ، وصار واجبا أن يعود إلى حجمه .

   فهل للنضال على المستوى الانتخابي أفق في انتخابات 2021 ؟ خصوصا في ضل استمرار المقاطعة السياسية من طرف جماعة العدل والإحسان وحزب النهج الديمقراطي ، ورفع فدرالية اليسار لعدد الأصوات بحوالي 16 ألف صوت فقط – من 148 ألف صوتا في انتخابات 2007 إلى 164575 صوتا في انتخابات 2016 – بعد مقاطعة انتخابات 2011 . وما الذي يمكن أن تستفيده فدرالية اليسار من النضال الجماهيري لخدمة نصالها الانتخابي ؟ خصوصا بعد التراجع الخطير على مستوى حرية الراي والتعبير والاحتجاج وتأثير ذلك على نضال الأحزاب اليسارية ، والذي بدا جليا خلال التعاطي مع حراك 20 فبراير 2011 وحراك الحسيمة2017 بالاختلاف تارة حول شكل النظام وتارة أخرى بالاختلاف حول مشاركة العدل والإحسان من عدمه في التضامن والاحتجاج المشترك ، وتعزز بفشل النقابات في حماية الشغيلة والدفاع عن مكتسباتها ومواجهة كل المخططات التي تهدد الشعب المغربي . فإذا كانت مقاطعة الانتخابات لم تستطع إيقاف المهزلة الانتخابية ، وفرض التأسيس لدستور جديد وقانون وتقطيع ولوائح انتخابية ولجنة مستقلة للإشراف على الانتخابات ؛ وإذا كانت المشاركة في الانتخابات بعيدة كل البعد على تحقيق التغيير الديمقراطي المنشود في الأمد القريب ؛ ستبقى الانتخابات في المغرب لعبة بالمعنى القدحي للكلمة ،  تغطي وجه الاستبداد والحكم الفردي المطلق بمساحيق الديمقراطية المغشوشة الموجهة للاستهلاك . ويستمر نضالنا ومطالبتنا بالديمقراطية والانتخابات باعتبارهما آليتين متلازمتين ،  ليستمر بحثنا عن الطريق المؤدي إلى تحقيقهما مادام هذا الطريق غير مرتبط بمشاركتنا أومقاطعتنا

مراد بلميلود