قصة الوداع

0
195

الكاتب: إبراهيم عبد الكريم

بدت عليها السعادة  وهي تستقبل أفراد عائلتها  في رحاب الحي الجامعي. كانت زيارة مفاجئة  للطالبة سعاد  منذ أن التحقت  بالدراسة الجامعية بعيدا عن مسقط رأسها.  زارتها  العائلة للاطلاع على أحوالها. ملٲتها الزيارة غبطة وسعادة لا تقارن  لا سيما وأنها كانت مقبلة على اجتياز امتحانات الدورة الثانية من السنة الاولى جامعي،  تخصص علم الاقتصاد. اكسبتها الزيارة  نفسا جديدا  زاد من  قوتها  على خوض الإمتحانات بمعنويات مرتفعة.  كانت  سعاد تقطن بالحي مع مجموعة من صديقاتها تتقاسم معهم نفس الاحساس بالبعد عن بيتها والاحباب.

في الوقت الذي كانت فيه  منكبة على مراجعة دروسها بصحبة صديقتها، التي تشاركها  في السكن  والدراسة معا،  طرقت باب حجرتها المسؤولة عن التنسيق بين الطلبة وإدارة الحي. جاءت  لتزف لها خبر وجود عائلتها التي تنتظرها بالمقهى الجامعي. زيارة  ٲكسبتها  عزيمة وقوة  على اجتياز صعوبة المرحلة  ونسيان الوحدانية المؤلمة عن الاهل والاحباب.  غمرها الفرح حينما رٲت والدها  في انتظارها بجانب  افراد العائلة،  ابوها الذي يمقت السفر خارج مدينته الصغيرة منذ أن حصل على التقاعد. كانت  لحظة مؤثرة  جعلتها تذرف دموع الفرحة،  لقد عانت من الوحدانية التي لازمتها لمدة تجاوزت أربعة أسابيع.  كانت مصرة على الحصول على نتائج مشرفة رغم صعوبة الموقف. قضت أربعة أيام  بين مد وجزر، بين الفرح والحزن في  الإجابة عن الاسئلة المتنوعة والتي شملت  جميع المواد التي  درستها بعمق وتبصر  إلى أن انتهت آخر حصة مبرمجة  يومه الجمعة من آخر الأسبوع.  في صباح يوم الغد استيقظت في الصباح الباكر لتتوجه إلى المحطة للسفر والالتحاق بمدينتها وأهلها.   كان الشوق يستحوذ على تحركاتها وافكارها، اشتاقت  لرؤية أفراد عائلتها وطعام  امها الذي لم تذقه لأسابيع عدة،  خاصة وأن شهر رمضان يشرف على الأبواب و استعدادات  الأسر المسلمة قائمة في جميع أرجاء الوطن.  اعتادت سعاد القيام بالتحضير لهذا الشهر المبارك برفقة والديها.  هي الفتاة البكر لعائلة تتكون من ثلاثة أبناء.  كانت الابنة المفضلة عند أبيها الذي يناديها دائما الأميرة.  يشركها في تدبير أمر الأسرة وفي كل قضية تهم العائلة، لا قرار يؤخذ إلا وكان لها فيه رأي. ان لم تكن حاضرة بالمنزل تشاركهم في ذلك عن طريق الهاتف.

غادرت الحي الجامعي في شغف لقضاء أيام برفقة والديها وإخوانها في انتظار نتائج الامتحان. سافرت وهي مطمئنة لما قامت به من عمل جاد في التحضير للامتحانات. وصلت إلى منزل والديها  والإبتسامة العريضة  مرسومة على وجهها. دخلت المنزل، كعادتها،  تسأل عن أبيها  وتقبل رٲسه قبل أي فرد آخر من العائلة حتى ٲمها كان عليها الانتظار بعد مصافحة الأب.  توجهت إلى غرفة الضيافة لتبحث عنه بمكانه المعتاد الذي يخصصه لقراءة القرآن ورؤية البرامج  الدينية التي تبث  يوميا  بواسطة الأقمار الاصطناعية. لكن تفاجأت  لعدم  وجوده بمكانه المعتاد، بل حتى الٲلحفة  التي كان يجلس عليها اندثرت لاوجود لها. غاب كل شيء يوحي بوجود الأب أو غيره بهذه الغرفة الكبيرة، صرخت بصوت مرتفع قائلة” أين أبي” تابعت الصراخ” أبي، ٲمي ٲين  أبي” كانت تردد كلامها هذا وهي تتجه نحو غرفة نومه بالطابق الأول غير مبالية بأحد، حتى ٲمها لم تستطع إيقافها للحديث إليها،  فجأة  وقبل أن تدخل غرفة والدها  ٲوقفها الٲخ الصغير في طريقها وعيناه تنهمر بالدموع، في هذه اللحظة توقفت سعاد وقد اصابها احساس بالخوف، بكاؤه كان علامة على وقوع مصيبة  للعائلة في غيابها. نظرت لٲخيها وهي تسأله بصوت خافت يكاد ٲن يندثر، اصابها احباط كلي قبل أن تسٲله عن سبب بكائه، بادرها  الطفل الصغير قائلا  “مات أبي” هكذا رد عليها اخوها الٲصغر. كانت الصدمة قاسية،  في البداية  لم تصدقه لكن سرعان ما نطقت امها  بكلام متهدج وهي تضمها لصدرها قائلة لها  بصوت خافت ” نعم ابنتي،  لقد فارقنا ابوكي رحمه الله” أردفت قائلة” هو من رفض ان نخبرك  بوفاته أو حتى بمرضه. كنت   منشغلة  بالإمتحانات” ٲردفت قائلة” رفض ان تتركي الإمتحانات ”  ظلت سعاد  لبضع دقائق، تائهة بفكرها، لم تستوعب بعد وفاة أبيها، دخلت بيت أبيها فارتمت على سريره لعلها تستونس برائحته والدموع تنهمر بعينيها. جلست امها على جانب السرير في محاولة للتخفيف من حزنها. حكت لها القصة كاملة، منذ ان أخبره الطبيب تفاقم مرضه بالسرطان. لهذا قرر زيارتها بالحي الجامعي، ذرفت عيناها بالدموع وضمت رأس ابنتها سعاد الى صدرها وانخرطا في البكاء معا.قالت لها بصوت تسوده نبرة حنان وياس في آن واحد ” كانت زيارة وداع قررها هو دون اذن احد” تابعت قائلة” مات ابوك وهو فخور بك يا اميرة ابيها”