قصة حب يسارية ـ وفاء بدري

0
254

كلما نظرت في المرآة تذكرت ما كان عليه هذا الوجه قبل سنوات…. وجه طفولي الملامح، النظرة و الإبتسامة… كلما تصفحت ألبوم صورها تذكرت قوامها الممشوق الذي ما عاد ممشوقا بل اصبح بقايا جسد مترهل ممتلئ بالدهون و التمزقات الجلدية…كلما عادت بها ذاكرتها الى ما كانت عليه واجهت نفسها بالسؤال التالي: لماذا اصبحت شبح انسان ؟ هل هي السبب ام انه القدر الذي لا نستطيع الوقوف في وجه قراراته الجبرية؟ هل أنّ هذه المرأة الكئيبة هي ذاتها تلك الفتاة المقبلة ، بشراسة ، على الحياة؟ هل هذا هو الوضع الذي تمنته لنفسها؟… تحيط بها هذه الأسئلة من كلّ حدب و صوب حتى أنّها تكاد تخنقها…هذه الأسئلة المتكررة التي لا ينقطع صداها حتى أثناء النوم ، لا تفعل سوى أنّها تقدّمها في صورة إمرأة أذنبت و مازالت تذنب في حق نفسها…

إمرأة نسيت أنّها إمرأة فتحوّلت فجأة إلى كائن، مجرّد كائن… ها قد تحوّلت إلى شخص ذا وجود عادي و هي التي أقسمت يوما ما أنّها لن تكون أبدا إمرأة عادية… لكنّها سرعان ما حنثت بقسمها ذاك…خذلت نفسها بنفسها…حاولت أن تتخلّص من عبء الكلام الذي أنّبت به نفسها منذ حين فانغمست في طقوسها المنزلية اليومية : تأكدت من ترتيب غرفة الجلوس و نظافة غرفة الأطفال… قامت بتثبيت عملها في شكله النهائي على حاسوبها الخاص… كوت ملابس زوجها التي سيرتديها في اجتماعه المقرر في اخر الاسبوع ثم اختارت قائمة الطعام الذي ستعده للغداء… عادت الى الملابس، توجهت بها إلى الخزانة كي تضعها في مكانها… و ما إن فتحت الخزانة حتى رأت أحد فساتينها القديمة مركونا في الزاوية… لهذا الفستان بالذات ذكرى إستثنائية… ذكرى راسخة في روحها لا يمكن أن تزول مهما حدث…

حرّرت الفستان من سجنه الذي طال و عانقته كمن يعانق صديقا وفيا طال غيابه عنه… تهاوت على أطراف السرير كمن ثقل حمله و ما عاد للصبر في قلبه مكان… أخذت تضمّ الفستان إلى صدرها فتسلّلت رائحة عطرها القديم إلى أنفها فما زادتها إلا شجنا…تذكر جيّدا قصّة هذا العطر العالق بالفستان صاحب الذكرى الاستثنائية… وضعت الفستان برفق على السرير و انحنت تأخذ من قاع الخزانة صندوقا عاجيا متوسّط الحجم… فتحت الصندوق و أخذت قنينة عطر فارغة كُتب عليها بلون ذهبي برّاق “La vie est belle “… إنّه ذات العطر الذي رشّته على فستانها الخمري الأنيق ذات ليلة فكان أوفى منها لأنوثتها و للفستان…

تراجعت إلى الوراء و استرجعت مكانها على طرف السرير، إلى جانب الفستان الخمري المهجور… وضعت قنينة العطر الفارغة فوق الفستان و أخذت تتأملهما فباغتها سيل جارف من الذكريات الحلوة… ذكريات تلك الليلة التي ظنّت أنّها ستكون بداية جديدة لحياة أفضل و لكنّها تحوّلت إلى خطّ فاصل، نقطة نهاية لامرأة لطالما كان التمرّد عنوانها فأصبحت إمرأة دون عنوان… إنّها الليلة التي عرض فيها عليها حبيبها الزواج… كانت قد إستعدّت جيّدا لتلك الليلة لأنّها كانت تدرك جيّدا أنّها وشيكة… تتذكر تلك الليلة بكلّ تفاصيلها و تتذكّر ميثاق الزواج الذي أقسم حبيبها على الإلتزام به و لكنه لم يفعل… هي تدرك جيّدا أنّه لم يتراجع عن ما أورده قلبه في الميثاق و لكنّ دواليب الحياة و مشاغلها قد إلتهمته فنسي نفسه و نسيها و نسي الميثاق…تراءت لها ورقة بهت بياضها فأصبح لونها أقرب إلى الأصفر، تطلّ من جيب الفستان… إنّها تلك الورقة التي خطّ عليها حبيبها و رفيق دربها بعض العبارات المجنونة التي اعتبرها بنود ميثاق الزواج الذي سيجمع بينهما…

فتحت الورقة المطوية و أخذت تقرأها جهرا : * ميثاق الزواج*

–  نحن صديقان منذ البداية، تذكري ذلك دائما…

–  أنا هارب من الوحدة فلا تهدديني بإعادتي إليها…

–  معا في الجيّد و السيًء و شرب القهوة…

–  عليك أن تتقني إعداد طبقي المفضل ” السمك “

–  لن نحتفل إلاّ بعيد لقائنا الأوّل و أعياد ميلاد أطفالنا في ما بعد…

– تحمّلي مزاجيتي و خاصّة حين تنفذ علبة السجائر خاصّتي…

–  إختاري ملابسك كما تشائين و كذلك تسريحة شعرك لكن إياك أن تفكري في جعله قصيرا…

–  لن نعمل أيام المطر، فأنا أخاف البقاء وحيدا…أنا أخشى صوت زخات المطر…

 – لن يكون بيننا إلا رهان واحد… هو ذاك المتعلّق بالتسابق نحو إنهاء رواية ما…

–  سنضيف في بيتنا إلى العبادات المعتادة عبادة خاصّة بنا إسمها ” الحب “…

–  سأكون يساريا متطرّفا في حبّك و ستكون سعادتك قضيتي التي أستميت في الدفاع عنها…

–  سنسمي إبننا الأوّل حنظلة و سيكون إسم إبنتنا يافا…

 – إعلمي أنّي لست مبدعا و لا خلاّقا فقد إستوحيت مبادئ هذا الميثاق من كتاب ” كاردل ” للفلسطيني ” محمد رضوان “…

–  و أخيرا، نحن صديقان حتى الممات، تذكري ذلك..

ما إن أتمّت قراءة ما ورد في تلك الورقة القادمة من الماضي السعيد حتى انهمرت دموعها دون حتى أن تأخذ إذنها… سؤال واحد علق في ذهنها: أين علاقتهما من هذا الميثاق؟ أين ذهبت هذه العهود التي كان من المفترض أن يلتزم بها ذاك الرجل الذي إختاره القدر شريكا لها؟… عبث… كلّ ما قيل في تلك الليلة و كل ما خُط على ظهر هذه الورقة عبث… إزداد ألمها و تعاظم شعورها بالغثيان بسبب الصورة التي إرتضتها لنفسها … “إمرأة عادية ” إلتهمتها مشاغل الحياة و سلبتها طموحتها و حلمها بأن تعيش حياة بسيطة و لكن مختلفة…قطع عليها صوت خطوات تقترب منها هذا الصراع الداخلي الذي يكاد يرديها قتيلة…إنه زوجها الذي ما عادت تستطيع أن تناديه حبيبي لأنه لم يعد يشبه ذاك الحبيب الذي كان لها خير أنيس ذات حياة… إقترب منها… جثا على ركبتيه… لفّ ذراعه حول كتفيها … حاولت أن تخفي الورقة و لكنّه كان قد تنبّه إلى وجودها بين يديها و انتهى الأمر…أخذ الورقة المختبئة بين أصابعها بصعوبة و لم يكن في حاجة إلى قراءتها كي يعرف محتواها… أو ليس هو صاحبها الأصلي ؟….. أحسّ بالخجل من نفسه و من حبيبته التي خذلها… أحسّ بالضعف لأنّه لم يكن الرجل الذي وعدها ذات ليلة أن يكونه…

عانقها بقوة تضاهي قوّة وجعه… كان يتمنّى أن يحوّل ألم الخذلان منها إليه… لكنّها تعلم جيّدا أنّه يحبّها و لن يتنازل أبدا عن هذا الحب حتى إن حوّلته الحياة إلى رجل بليد المشاعر تقليدي الطباع… كان هذا عزاؤه الوحيد!!… طال الصمت بينهما قبل أن يهمس في أذنها ” أنا آسف لأنني خذلتك و خذلت نفسي “… و قبل أن تستوعب إعتذاره و تردّه عليه، ترك مكانه لكنه عاد مسرعا و هو يحمل بين يديه ورقة ناصعة البياض و قلما حبريا أزرق اللون… قدّم لها الورقة و القلم و قال ” هذه المرّة أنت من ستضعين الميثاق الذي لن أخذلك في الالتزام به… لكن قبل ذلك، ارتدي فستانك الخمري، أسدلي شعرك البني الطويل و رشي عطرك المعتاد… افعلي ذلك ثم عودي الي بميثاق تختارين أنت تعاليمه “… أجبرتها كلماته على الضحك رغم الضياع الذي يعتريها… مرّرت باطن يدها على وجهه و قالت ” لن أرتدي الفستان لأنّه لم يعد يناسبني، هل نسيت أن وزني قد زاد بعد ولادة توأمينا حنظلة و فايا؟…

عليّ أن أمارس الرياضة لبعض الوقت حتى أستعيد رشاقتي و أعود لارتداء هذا الفستان… أمّا عن الميثاق الذي تطلب مني أن أضبط تعاليمه فإني لن أكتبه… بل عليك أن تسمعه و أن تعدني بعدم نسيانه… إسمعني جيّدا : أولا، نحن صديقان منذ البداية، تذكّر ذلك… لا تحلق ذقنك ثانية بل أتركها تغزو وجهك السمح لتزيده جمالا… عدني بأن لا تسمح لي بأن أموت و أنا أغسل فناجين القهوة و الشاي، أريد أن أموت و أنا أتسلّق الجبال مثلا…أريد زجاجة عطر جديدة… عطر – إليسيت – للمرأة الجريئة لأنني أريد أن أستعيد جرأتي التي سلبتني إياها الحياة عنوة… أخيرا، نحن صديقان حتى الممات تذكّر ذلك و تذكّر أيضا أني أحبك حدّ الغرق “…