محمد نوبير الأموي، كما التصقَ بكُرّاستي أو: “نهاية رجل شجاع.”- جواد المومني

0
36

الكاتب: جواد المومني

تحتوي هذه الصورة على سمة alt فارغة؛ اسم الملف هو جواد-المومني.jpg
الشاعر جواد المومني

اِعتدتُ منذ زمن بعيد على اصطحاب كراسة/مذكرة تكون أقرب إليّ أثناء عديد الاجتماعات و المحافل المختلفة و المتنوعة التي أحضر، حيث أضع و أخط على صفحاتها رؤوس أقلام المداخلات، و غالبا ما أعود لها و إليها، لتمنَحني فرصة ثانية، لا للذكرى، و إنما لتُعيدني جسدا و روحا إلى المكان نفسه و الفضاء عينِه، فأحيا اللحظة بشكل مغاير، و أتأمل من جديد نوع الخطاب و قد أرصد مكامن قوته أو ضعفه !!مناسبة التقديم من تداعيات موت رجل سياسي/نقابي كبير، افتقدته الساحة النضالية في بلدنا مؤخرا، أتحدث عن محمد نوبير الأموي. و بنهايته -كرجل شجاع- تكون قد انتهت لحظة مضيئة من الزمن المغربي.أتركُ الرثاء لمن يرغب فيه، و أدَع الكلام المُنمق المُوَشَّى بشتى الكلٍم الأبيض لغيري، ليس تبخيسا لحق الرجل، أبداً، و إنما لقناعتي بأن تصورات محمد نوبير الأموي – رغم اختلافاتٍ معه سياسية كثيرة في الرؤى و التقديرات – محتاجة الآن و هنا، كزعيم و كقائد نقابي. إلى إعادة الإخراج و التركيب و الترتيب و الذَّر…بالنظر إلى كونها لامَسَت في العمق واقعنا المجتمعي و خلخلت بعض الاقتراحات، كما قَوَّضَت أخرى !!ما سأقَدمه هنا ليس شهادة في حق الراحل، إنما أجزاء مَقتَطفة من بعض خطبه و بعض مداخلاته التي حضرتُ فيها شخصيا و سجلتُها ( لاعتبار مسؤولياتي النقابية لحظتها المحلية و الوطنية ).. قد يقول قائل: هناك مؤلفات خُصصت للغاية و جُمعت فيها كل خطابات نوبير الأموي. و هذا صحيح. إلا أن الرجل عُرِفت عنه سِجالاتُه القوية و تدخلاته الشفهية المباشرة، و خلالها غالبا ما استطرد في الردود و باشَر عناصر أخرى لم تكن مُقَيدَة أمامه، ما يزيد في القيمة الاعتبارية للرجل، لأنه يستحضر آيَ القرآن و الشعر القديم و الحكمة و الأثر و الزجل و المَثَل و النكتة أيضا، يُدرج كل ذلك و يَخلطه و يستفيض فيه… و لعلها خاصية تميزه عن عديد القادة و الزعماء.- بدايةً، أستعيد ذكرى محطة اجتماع اللجنة الإدارية للنقابة الوطنية للتعليم التابعة للكونفرالية الديمقراطية للشغل ( وقتَها كانت اللجنة الإدارية منتخبة من طرف المؤتمر الوطني للنقابة، و هي غير المجلس الوطني) بالمقر المركزي في الدار البيضاء يوم الأحد 24 نونبر 2007، لِنقف على وضع شبيه بلحظتنا السياسية الراهنة (و قد تكون شبيهة بالغد !!! غَدٌ بِظهر الغيب …) قال الأموي باسم المكتب التنفيذي للك.د.ش عند انطلاق الأشغال: « (…) الإفساد الشامل للانتخابات التشريعية الأخيرة (يتحدث عن استحقاقات 7 شتنبر 2007) من طرف لوبيات الفساد في البلاد، أنتجَ ديمقراطية مشبوهة و مغشوشة، و يمكن اعتبار موقف 80 بالمائة من المغاربة الرافض لنوعية هذه اللعبة موقفا صريحا عن فقدان الثقة في الدولة و في مؤسساتها و في الأحزاب و في السياسة و خطاباتها.»- و في مجلس وطني للك.د.ش. بالبيضاء دائما و في المقر المركزي يوم 18 ماي 1996، أكد الأموي على أن …« المشهد دراماتيكي أكثر مما نتصور، و أننا استنفذنا كافة الحوارات و الطاقات… فلا وِصاية على الكونفدرالية و لا مُهادنة مع الأعداء الطبقيين … لأننا نُقاتَلُ يوميا في عيشنا و يومنا، و سَنمُر إلى تنفيذ قراراتنا المؤجلة …(يتحدث عن الاضراب العام) … »- أما خلال المجلس الوطني للك.د.ش. ليوم الأحد 13 أكتوبر 1996، بالبيضاء، فقد صرح الفقيد بأن …« إضراب 5 يونيو 1996 شكل قفزة نوعية … عبره، كسبنا جولة أولى ضد الحكومة، حيث فرضنا الحوار أولا ثم جولة ثانية عبر نتائج الحوار الاجتماعي… و نعتبر أن مرحلة جديدة تم تدشينها عبر التوقيع على التصريح المشترك…»- و تبقى بعض ردوده و تدخلاته خلال المؤتمر الوطني الرابع للكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالعيون أيام. 14، 15و 16 مارس 2001، نقطة ضوء في مسار هذا القائد (( هنا، لست معنيا بعدد من حيثيات انتداب المؤتمرين و لا بالأجواء المشحونة التي رافقتها وطنيا، و لا أيضا بمجموعة من الاشكالات التنظيمية المصاحبة للمؤتمر ككل، و إنما أرصد – كما أسلفتُ – جملة من العبارات الخطابية التي تبين قيمة الشخص السياسية و الفكرية ذات المرجعية الإنسانية الكونية، و برؤية استباقية. )) … يقول الأموي أثناء الجلسة الافتتاحية: « إنْ كنا سنتساءل عن سبب عقد المؤتمر الوطني الرابع في حينه، فلماذا لا نتساءل عن سبب اتخاذ هذا القرار في وقته…. و يمكن اعتبار مدينتي سبتة و مليلية مدينتين مقترحتين لعقد المؤتمر الوطني الخامس للك.د.ش.- يهون علينا أن نموت بسلاح إخواننا …- مثلما أن الشرك بالله لا يُغتفر، فإن الشرك بالوطن لا يغتفر…- الطبقة العاملة المغربية مستعدة لتقاسم المِحَن و الضرر… شرط الاعتراف لها بدورها الطلائعي…- علينا أن نكون جميعا صانعين لحضارتنا …علينا أن ننجز ثورات ثقافية و اقتصادية… فحقيقتنا مرعبة، كما يمكن أن نُدير كل ثوراتنا و ثرواتنا. نحن راشدون، فلا للتغرير بنا.- نحن متفائلون، و لا مستسلمون. نحن مسكونون بالاحباطات و السمفونية التي لا تكتمل !!!- نحن في الكونفدرالية نخاطب العقول. و اللحظة التي نعيش، هي لحظة قلق، غير أنها لا تستعصي لا على الفهم و لا على التجاوز. فالشعوب لا تصنعها لحظات الخيال و الرخاء و الأحلام، بل لحظات المحن..»و في معرض تفاعله و ردوده على مداخلات المؤتمرين أثناء جلسات مناقشة التقريرين الأدبي و المالي، يوم الخميس 15 مارس 2001، يقول الأموي بالحرف: -« يجب أن ننتقد أنفسنا و نحاسبها، و يجب أن نكون داخل الزمن و تجلياته.. و الديمقراطية شرط يجب أن نقبل به سواء كان معنا أو علينا…- السلم الاجتماعي من منظور الكونفدرالية. د.ش. هو استباق المشكل قبل وقوعه. هو سلم نريده بدلا من صراع قد يؤدي إلى دمار أكبر.»ليست لدي خلاصة محددة بكل صراحة، و أعتقد أن الكلام يعبر عن نفسه..مِن كل ما سبق، أتحمل كامل المسؤولية في الرصد الكرونولوجي الذي أوردتُ أعلاه، و أأكد أن غايتي من الأمر بالنهاية، هي الوقوف على القيمتين التاريخية و الفكرية لرجل مثقف شجاع، إسمه: محمد نوبير الأموي. بقلم: جواد المومني سيدي سليمان، الأحد 12 شتنبر 2021.