مشكل الصحراء كان نتيجة أخطاء سياسية ودبلوماسية

0
130

الكاتب: الأستاذ حسوني قدور بن موسى المحامي بهيأة وجدة

إن المهتمين بمشكل الصحراء منذ بدايته سنة 1975 لا يخفون بأن النظام السياسي في المغرب ارتكب أخطاء دبلوماسية و سياسية جسيمة لم تكن في مصلحة القضية الوطنية فكانت لها نتائج و انعكاسات خطيرة حيث كان الاضطهاد السياسي مسلط على الشعب المغربي بواسطة عصابة من الجلادين خلال سنوات الستينات و السبعينات و تهميش القوى السياسية الفاعلة في البلاد و إغلاق أبواب الحوار و إعلان حالة الاستثناء سنة 1972 و إصدار قانون الصحافة سنة 1973 الذي قيد حرية الصحافة التي كان من المفروض أن تلعب دورا ايجابيا في الدفاع و التعريف بقضية الصحراء فتعطلت بذلك الحياة السياسية بكاملها و ظل النظام السياسي يعتمد على مجموعة من المفسدين الذين ساهموا في قمع إرادة الشعب المغربي .

فهذه السياسة القمعية أدت إلى إبعاد سكان الأقاليم الصحراوية عن المشاركة السياسية حيث كان النظام السياسي لا يقبل برأي الأحزاب الوطنية ونصائح الزعماء السياسيين الأمر الذي أدى إلى اعتقال عبد الرحيم بوعبيد لمجرد أنه أدلى برأيه في مسألة الاستفتاء في الصحراء حيث ظل النظام السياسي يتخبط بمفرده في هذه المشكلة في غياب مشاركة القوى السياسية في البلاد و في المقابل امتازت الدبلوماسية الجزائرية في السبعينات بنشاط كبير و تحركات واسعة شملت معظم الدول الإفريقية و دول أمريكا اللاتينية التي كان المغرب غائبا فيها تماما بسبب الاختلاف السياسي و الاديولوجي و لكونها كانت أنظمة اشتراكية فكانت الدبلوماسية المغربية جامدة تعتمد على سفراء ليس لهم تكوين دبلوماسي و لم تكن مهمتهم الدفاع عن القضية الوطنية بل كانت مهمتهم تعقب و رصد تحركات المعارضين السياسيين في الخارج و جمع المعلومات عنهم و لم يستطع النظام السياسي إدارة أزمة الصحراء منذ بدايتها فجاءت مبادرة فتح باب القصر الملكي متأخرة جدا في وجه أبناء الصحراء في حين أن الجزائر سبقت المغرب في المجال الدبلوماسي والسياسي فبادرت إلى استقطاب و احتضان زعماء جبهة البوليساريو بزعامة مصطفى الوالي و رفيقه أنذاك ولد السالك اللذين كانا ينتميان الى أجزاب مغربية يسارية يناضلان في صفوف الاتحاد الوطني لطلبة المغرب يؤيدان انضمام الصحراء إلى المغرب الوطن الأم وفي هذا الاتجاه نظما ندوات كثيرة منها ندوة مدينة وجدة بمقر الاتحاد المغربي للشغل إلا أن النظام السياسي في السبعينات كان لا يثق في اليسارالمغربي و لا يتعامل معه ، فقام القذافي و هواري بومدين باستقطاب زعماء جبهة البوليساريو وعلى رأسهم مصطفى الوالي من مدريد إلى طرابلس ثم الجزائر العاصمة و تزامن مشكل الصحراء مع سلسلة من المحاكمات السياسية الصورية للمعارضة و قمع الحريات و ممارسة التعذيب و الاختطافات و التصفيات الجسدية من بينها اغتيال عمر بنجلون و من قبله المهدي بنبركة و كثيرا من المضطهدين الذين لا زالوا إلى يومنا هذا يعيشون خارج المغرب الشيء الذي ساهم بشكل كبير في تشويه سمعة المغرب السياسية في الخارج ، فهذه الوضعية المأساوية استعملها الخصوم ضد المغرب لإضعافه في المحافل الدولية، فكانت جبهة البوليساريو عبارة عن هبة نزلت على الجزائر من السماء بسبب الأخطاء السياسية التي ارتكبها المغرب فاستيقظ المغرب من سباته متأخرا و لا زالت آلته الدبلوماسية ضعيفة تعتمد على الأساليب القديمة في إدارة الأزمات في حين أن الخصوم راهنوا على ورقة حقوق الإنسان و لا زال المغرب لم يراجع الأخطاء التي ارتكبها في سنوات الرصاص و أهمها عدم احترام حقوق الإنسان و الاعتماد في إدارة الشأن العام على جماعة من المفسدين اعتقدوا أن العالم يقوم على أساس الثروة و المال دون اعتبار الجانب الحقوقي و الأخلاقي فهم يريدون إسكات أصوات المواطنين الفقراء و الضعفاء و المساكين و الشباب الضائع و العاطل عن العمل بالمساعدات الغذائية التي هي عبارة عن فتات موائد الأثرياء ( زيت و سكر ودقيق ) في حين أن العزة و الكرامة هي التي تصنع المجد وحب الوطن ووحدة الوطن، فالطائرعندما تحاول اطعامه فترمي له فتات من الخبز يتركك و يطير في السماء لأنه يعتقد ان حريته أغلى من الخبز، هكذا لا يمكن مواجهة الأخطار الخارجية المحدقة بالمغرب في ظل العيش في الاهانة و الذل و الفوارق الطبقية و الاضطهاد و القمع و المحاكمات الصورية في الوقت الذي يعيش فيه مجموعة من المفسدين في البذخ و الثراء الفاحش و تهريب الأموال الطائلة الى الخارج و شراء القصورالفخمة في أوروبا بملايير الدولارات في حين يعيش زعماء الدول الأوروبية في بيوت متواضعة. منذ بداية مشكلة الصحراء سنة 1975 ظل النظام السياسي يتخبط في التناقضات وعدم الوضوح في سياسته الداخلية و الخارجية و ظل يرفض أي تعديل أو تغيير دستوري يكون إطارا ديمقراطيا و حقوقيا يمهد الطريق لمشروع الحكم الذاتي في الصحراء ، فمرة يسلم إقليم وادي الذهب إلى موريتانيا ثم يتراجع عن ذلك و يسترجع هذا الإقليم، و مرة يحلف اليمين على أن لا يتنازل عن سيادته في الصحراء و يرفض مبدأ “حق تقرير المصير” ثم بعد ذلك يتراجع و يقبل حق تقرير المصير ثم يغضب و ينسحب من منظمة الوحدة الافريقة دون استشارة الشعب المغربي ثم بعد ضياع 40 سنة دون فائدة يتراجع و يعود إلى هذه المنظمة دون استشارة الشعب خلافا لما قامت به الحكومة البريطانية التي استشارت الشعب عندما أرادت الخروج من الاتحاد الأوروبي ، كل هذا الارتباك و التضارب في السياسة الخارجية المغربية تزامن مع سلسلة من الانتخابات المزورة تزعمتها أحزاب مخزنية انتهازية و مفسدون أفرزت برلمانات صورية و حكومات هشة مرقعة غير منسجمة فاشلة فكانت نتائجها ظهورأزمات سياسية و اقتصادية و اجتماعية حادة منها الفقر و البطالة و قمع الحريات الفردية و الجماعية في ظل دستور جامد يضع جميع السلطات في يد الملك لأن تحقيق الديمقراطية و حقوق الانسان هو الضمانة الوحيدة للدفاع عن الوحدة الترابية و التراجع عن فكرة الانفصال حيث أن زعماء البوليزاريو وعلى رأسهم مصطفى الوالي قد اغلق باب الحوار معهم و لم يحسب لهم المغرب حساب فاستغل القذافي و بومدين ذلك الوضع السياسي لاحتضانهم ضدا على المغرب لاقتطاع جزء من اراضيه بهذه الطريقة.