معضلة اليسار: عمق الازمة وسطحية التفسير ـــ علي بوطوالة

0
91

الكاتب/ة: علي بوطوالة

علي بوطوالة الكاتب العام لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي يناقش أزمة اليسار و مطالبة قادة أحزابه بالاستقالة.

بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات الأخيرة، توالت التدوينات والكتابات المنتقدة، والمطالبة باستقالة قادة أحزاب اليسار الديموقراطي، محملة إياهم مسؤولية تراجع اليسار، والنتائج الهزيلة المعبرة عن هذا التراجع.هل فعلا يتعلق الأمر فعلا بأزمة قيادة؟ وهل هؤلاء القادة متشبتين بمواقع المسؤولية رغما عن قواعد مغلوب على أمرها؟وماذا يستفيد هؤلاء من بقائهم في مواقع مسؤولية تطوعية، مكلفة، ومتعبة ماديا وصحيا، والتي يجري تضليلا تشبيهها بقيادة الأحزاب الكبرى وخاصة المخزنية منها المستفيدة من الريع والامتيازات المادية والرمزية؟ألا تصب مثل هذه التفسيرات السطحية ولو بشكل غير مقصود في الاجهاز على ماتبقى من أطر اليسار الصامدة؟ولنفرض جدلا – وهذا سهل جدا – أن هؤلاء سارعوا بتقديم استقالاتهم فور إعلان النتائج، فهل كان ذلك سيؤدي الى رجة صحية في صفوف اليسار والمشهد السياسي ويخلق دينامية نضالية تصاعدية تغير ميزان القوى؟صحيح، إذا كانت هذه القيادات تشكل كوابح وحصارات (des freins ) أو عائق في تطور وتجدد أحزابها، فالواجب على القواعد والهيآت الحزبية المسؤولة إزاحتها حتى لو رفضت الاستقالة، لفسح المجال لقيادات شابة وذات كفاءة، ومستعدة لإعادة اليسار على الأقل الى المكانة التي كانت لديه داخل المجتمع المغربي قبل عقدين من الزمن.الحقيقة المرة التي يقفز عليها الكثير من المزايدين على هذه القيادات وملقني الدروس، هي: *أن ازمة اليسار أزمة بنيوية عميقة* ،تداخلت في وقوعها عوامل خارجية وداخلية، موضوعية وذاتية على مدى أربعة عقود على الأقل، أهمها وباختصار شديد:-التداعيات الحاسمة والمستمرة لتراجع المشروع الاشتراكي على الصعيد العالمي، منذ انهيار الإتحاد السوفياتي، مرورا بالاحادية القطبية، وانتصار اقتصاد السوق في الصين وجنوب شرق آسيا. – التحولات الكبرى التي مرت بها المنطقتان العربية والمغاربية خلال العقود الأربعة الاخيرة، بعد كارثة كامب دفيد، والحرب العراقية الايرانية، وحربي الخليج الأولى والثانية، وقبلهما إخراج فصائل الثورة الفلسطينة من لبنان، ثم اتفاق أوسلو المشؤوم، وأخيرا الموجة الاصولية العاتية المدعومة من الرجعية الخليجية ماديا واعلاميا.-العوامل الداخلية المتمثلة في مضاعفات تطبيق سياسات التقويم الهيكلي التي أدت الى تراجع مكانة ودور الطبقة الوسطى،التي شكلت الحاضنة الأساسية لتنظيمات اليسار المغربي، إضافة لنتائج السياسة التعليمية التي أجهزت على الدور التنويري والريادي للمدرسين والطلبة والاتحاد الوطني لطلبة المغرب والنقابة الوطنية للتعليم.- في نفس السياق، أدت التحولات الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمجالية، التي مر بها المجتمع المغربي الى تغيير سلوك وتموقع الأفراد والطبقات، لدرجة لم يعد لمغرب اليوم علاقة بمغرب الستينات والسبعينات، زمن صعود اليسار.- اضافة للعوامل السابقة، هناك التاثير الكاسح لثورة الإعلام والاتصال، ووسائل التواصل الاجتماعي التي انهت دور الإعلام التقليدي واليساري منه على الخصوص ، وأفقدت بالتالي أحزاب اليسار دورها في التأثير والتأطير والتوجيه والاستقطاب ، خصوصا انها لم تستطع مواكبة التغيرات السريعة في هذا المجال.- واخيرا لا يمكن اغفال ما عرفه المخزن من تحديث ساعده على التكيف مع كل هذه التحولات والاستفادة منها، بدليل تعامله الذكي مع ضغوط الربيع العربي، وقدرته على استقطاب جزء من نخب اليسار والاسلاميين، وتوظيف قاموسهما في الإعلام العمومي، وتصفية الصحافة المستقلة رغم دورها المحدود في صناعة الرأي العام، وقمعه للحراكات القطاعية والاجتماعية، واستعماله للانتخابات كآلية لإعادة هيكلة وضبط المشهد السياسي. كل ماتقدم لايعني ان أحزاب اليسار لم ترتكب أخطاء، وبعضها فادح، مثل التطبيع مع الأحزاب الإدارية في إطار ما سمي بحكومة التناوب التوافقي تحت ضغوط ومظلة المخزن، وتفويت فرصة حراك 20 فبراير لفرض الملكية البرلمانية، ومراوحة المكان في توحيد قواها وطاقاتها في اطار سياسي ديموقراطي يمكن من تدبير عقلاني للخلافات الثانوية والتركيز على التناقض الرئيس. هنا لابد من التوضيح أن هناك تفاوت في المسؤوليات، ولكن المسؤولية الجماعية ثابتة.في النهاية يتبين أن أزمة القيادات الحزبية ما هي إلا الشجرة التي تخفي الغابة كما يقال. فهل يرتقي كل المعنيين بالموضوع الى مستوى المسؤولية التاريخية، وتحديات الحاضر والمستقبل، أم سنستمر في التنابز بالألقاب والمزايدة بالشعارات؟في 19 شتنبر 2021