مقدمة كتاب جورج لابيكا : كارل ماركس، أطروحات حول فيورباخ

0
39

ترجمة كريم وشاشا

مقدمة كتاب جورج لابيكا :

 كارل ماركس، أطروحات حول فيورباخ

Antoine Artous

(الإنسان هو الذي يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان…. لكن الإنسان ليس كائنا مجردا، مرميا في مكان ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. وهذه الدولة، وهذا المجتمع ينتجان الدين؛ الوعي المقلوب للعالم. لأنهما بالذات عالم مقلوب.)   كارل ماركس –

أطروحات حول فيورباخ (Thesen über Feuerbach) هي ملاحظات عمل بسيطة كتبها ماركس بين شهري ماي  ويونيو من سنة 1845، وسينشرها أنجلز بعد خمس سنوات من وفاة ماركس بنفس العنوان مع بعض التعديلات سنة 1888. ويقدمها كأول عمل يحمل البذرة المذهلة للمفهوم الجديد للعالم؛ وهذه الملاحظات حسب حجم التعاليق التي أحدثتها حول العالم هي بالفعل “استثنائية” بالنسبة لنص قصير يؤكد جورج لابيكا (Georges Labica) في مقدمته، وأن بعض الجمل والعبارات من هذه الأطروحات ستصبح مثل الأعلام والرايات مرفوعة ترفرف عاليا: (النشاط العملي أو تغيير الذات هو ممارسة ثورية.. الجوهر الإنساني هو في حقيقته مجموع العلاقات الاجتماعية كافة… ثم تلك الأطروحة الأخيرة الشهيرة (لم يقم الفلاسفة سوى بتفسير العالم بِطُرُق مختلفة،  ما يهم الآن هو تغييره ).

كتاب جورج لابيكا في طبعته الأولى التي يعود تاريخها إلى 1987 ليس تعليقا جديدا يسعى للبحث في هذا النص عن الجديد الذي تحبل به الماركسية وهي لا زالت بذرة؛ أو أنه يقدم توضيحا لقراءته عن ماركس، بل هو محاولة لعرض البنية الداخلية للأطروحات –بما فيها التعديلات التي أدخلها أنجلز عليها –  عن طريق وضعها في سياق النصوص الماركسية الأخرى (contextualisant) لنفس الفترة مع تأويلاتها المختلفة؛ فهو من هذه الزاوية هو كتاب “صغير الحجم” لكنه فريد من نوعه.

كتب ماركس هذه الملاحظات في بروكسيل حيث استقر مع عائلته في أوائل سنة 1845، بعد أن تم طرده من فرنسا التي كان التجأ إليها كمنفى اختياري سنة 1843 بسبب حظر الجريدة الديمقراطية الألمانية  (Rhenish Gazette) التي كان يكتب فيها وأصبح مديرا لها. في باريس، قام بربط الاتصال مع الاشتراكيين الفرنسيين، بما في ذلك برودون وباكونين، وأيضا قام بربط العلاقات مع المهاجرين العمال الألمان، كما قام بإصدار مجلة “الحوليات الفرنسية الألمانية”، حيث نشر في عددها الوحيد نهاية عام 1843 (مدخل إلى فلسفة هيجل والمسألة اليهودية)، وأخيرا التقى بأنجلز للمرة الثانية بعد لقائهما بألمانيا، وأعلن أنجلز نفسه شيوعيا في عام 1842، فقامت بين الرجلين صداقة أبدية وكتبا معا كتاب العائلة المقدسة (وكان العنوان من اقتراح ناشر ألماني).

كتبت الأطروحات حول فيورباخ قبل الشروع في سبتمبر من سنة 1845 في كتابة الإيديولوجية الألمانية وهو كما نعرف كتاب مهم ومركزي، وبلغة ماركس وأنجلز يشكل هذا النص  (قطيعة مع طريقة النظر ومع الفلسفة الألمانية) ولم يتم نشر هذا الكتاب إلا في سنة 1933.

إن هذه الدقة التاريخية مهمة، وتبين لنا أن النقاش حول هذه الأطروحات قد بدأ قبل إصدار نص رئيسي تندرج ضمن محتوياته… إن الجدولة التاريخية لهذه الإصدارات المختلفة ستؤثر بشكل كبير على النقاشات الدائرة حول نصوص (ماركس الشاب)، وهذا له آثار مباشرة على شروط التعليق على الأطروحات حول فيورباخ.

ففي مرحلة معينة بألمانيا كان ماركس ينتمي إلى “الشباب الهيغلي” وهو تيار من المثقفين  اليساريين الذين اصطدموا مع الدولة البروسية الرجعية في أول وهلة مع اعتلاء فريدريك غيوم الرابع السلطة والذي خيّب الآمال المعقودة عليه. 

ماركس وفيورباخ

كانت أنشطة هذا التيار اليساري مرتبطة بشكل وثيق بالصحافة، وقد أعلن ماركس تأييده لفلسفة فيورباخ عندما أصدر هذا الأخير سنة 1842 كتابه المدوّي (ماهية المسيحية)؛ بالنسبة له الإنسان يتخلى عن جوهره الحقيقي للدين، فيشعر بالضياع مستلبا من قوة متعالية مهيمنة هو الذي خلقها بنفسه؛ ومن أجل العودة إلى الأرض ينادي فيورباخ بالمادية، لكنها مادية طبيعية جدا، لأنها ترتكز على جوهر إنسان معزول، شفاف في حد ذاته ومنفتح ومتطلع بالحب نحو الآخر. مما لا شك فيه أن ماركس يرتكز على الخطاطة الفيورباخية حول الاغتراب  كنقطة انطلاق؛ ومع ذلك، لا يمكننا أن نشعر بالرضا كما فعلت العديد من القراءات والتعليقات النقدية (Eric Weil, Jean Hyppolite, Louis Althusser…)  للقول بأن ماركس يتسق ويتماشى مع نفس الخط الذي يوجد فيه فيورباخ بنقل فقط موضوعة الاغتراب إلى الأرضية السياسية.

فخلال هذه الفترة، يعلن بدون شك عن تأييده التام لفيورباخ، بنقده المتواصل لفلسفة هيغل وتساؤلاته عن منطقه الغامض خاصة في تحليله للدولة: حيث الدولة مفهوم مجرد بينما وحده مفهوم الشعب مفهوم ملموس؛ ومع ذلك لا يمكننا الاكتفاء بهذه الملاحظة الوحيدة، وهكذا في مارس 1842 كتب إلى (أرنولد روج فيلسوف ألماني وكاتب سياسي)  : “إن مقولات فيورباخ في نظري خاطئة، فهي تحيل كثيرا إلى الطبيعة ولماما إلى السياسة” في النظام  الفلسفي الماركسي يظهر جورج لابيكا الذي يستشهد بهذه الرسالة، أن العلاقة بين ماركس وفيورباخ ليست بسيطة. فبعد فترة نقدية 1842 – 1843 قام ماركس بعودة إلى فيورباخ باعتباره أنه أعطى دعامة أساسية للماركسية والشيوعية.

في الواقع، فالأرضية السياسية أبعدت ماركس عن فيورباخ، وتجلى ذلك في مقدمته لنقد فلسفة الحق عند هيجل، وتأكيده على أن نقده للسياسة هو تعميق للنقد الديني، كل هذا هو تميز وتجاوز لفيورباخ.

هذا هو أساس النقد اللاديني : (الإنسان هو الذي يصنع الدين، وليس الدين هو الذي يصنع الإنسان…. لكن الإنسان ليس كائنا مجردا، مرميا في مكان ما خارج العالم. الإنسان هو عالم الإنسان، الدولة، المجتمع. وهذه الدولة، وهذا المجتمع ينتجان الدين؛ الوعي المقلوب للعالم. لأنهما بالذات عالم مقلوب.)  

إن موضوعة العالم المقلوب ستلاحق ماركس إلى  كتاب “الرأسمال”.

في نهاية الأمر، فيورباخ هو الذي بدا مجردا في طريقة طرحه  (جوهر الإنسان)، وعلى كل حال فإن هذا (العالم المقلوب) الذي ينبغي أن يكون نقطة الانطلاق لمعالجة إشكالية الاغتراب؛ وهي الإشكالية التي، كما نعلم، تخترق بعض نصوص (ماركس الشاب). ليس هنا المكان المناسب لمناقشة عميقة حولها ، بالنسبة لي – حتى ولو وجدناها في les Grundrisse  (= مخطوطة غير تامة لماركس حول مساهمته في نقد الاقتصاد السياسي) فإنني لا أعتقد بأن ماركس أعاد تنشيطها في فترة (الرأسمال)؛ من المؤكد أن موضوعة الفيتيشية (fétichisme = وتعني هنا التقديس الأعمى والتوثين) تستحوذ على بعض من اهتمام (ماركس الشاب)، ولكن بدون تحت أي منطق آخر وبدون أن يتم تأصيله في خطاب أنتربولوجي.

ومع ذلك يجب أن نتجنب خطأ شائعا بشكل عريض، فلكونه امتداد مباشر من فيورباخ، فإن ماركس يجعل من الاغتراب وهما مثاليا بسيطا للإنسان المستلب. نشعر أن هذا ليس هو حال الاستشهاد من مقدمة نقد فلسفة الحق عند هيجل، وقد ورد هذا بشكل صريح في (العائلة المقدسة): ” العمال الشيوعيون: يعرفون جيدا أن الملكية، الرأسمال، النقود، العمل المأجور… الخ  ليست إطلاقا أفكارا خيالية بل هي منتوجات عملية جدا ومادية جدا من اغترابهم الخاص والذي يجب عليهم إلغاؤه بطريقة عملية ومادية. “

مادية العلاقات الاجتماعية

بجانب مسألة الاغتراب، يؤكد هنا ماركس على ما هي الموضوعية الخاصة لعلاقة اجتماعية؛ من خلال هذه الإرادة في معالجة الشكل المحدد للموضوعية الاجتماعية، هناك بالفعل استمرارية خاصة في (الرأسمال) وهو ما يسميه غالبا “شكل اجتماعي موضوعي”. فهذه الموضوعية لا يمكن اختزالها إلى مادية بسيطة فيزيقية للذات. وهكذا (من خلال تناقض صارخ مع خشونة البضاعة ليس هناك ذرة مادية تخترق القيمة… إن القيم ليس لها إلا قيمة اجتماعية بحتة…. والفئات المثالية هي جزء من هذه الموضوعية الاجتماعية: إن فئات الاقتصاد البورجوازي هي أشكال من الفكر لها قيمة موضوعية بقدر ما هي تعكس واقع العلاقات الاجتماعية)..

في مقدمة نقد الاقتصاد السياسي، حيث نعرف أنه حدد أسلوبه في التحليل، يجعل ماركس من هذه الملاحظة معطى عام.

(في جميع العلوم التاريخية والاجتماعية، يجب أن نتذكر دائما أن الموضوع – هنا المجتمع البورجوازي الحديث -… أن هذه الفئات تعبر عن أشكال وأنماط الوجود غالبا ما تكون جوانب معينة بسيطة لهذا المجتمع..).

إن المادية التي يسعى ماركس إلى تأسيسها من أجل تحليل (التاريخ – الاجتماعي) ليست مجرد فرع بسيط من المادية بشكل عام، مادية مماثلة لتلك الموجودة في العلوم الطبيعية؛ وقد حاول أنجلز في أعماله الأخيرة السير في هذا المنحى، وهو المنحى الذي ستسير فيه غالبا الأرتودوكسية الماركسية المهيمنة التي تبلورت في الأممية الثانية وأيضا الأممية الثالثة قبل صعود الستالينية؛ وعلى العكس من ذلك، كان ماركس يهدف بالأساس إلى منهج للتحليل المادي يتماشى مع الشكل المحدد للعلاقات الاجتماعية، ويتعلق الأمر بالمادية التاريخية التي تجرد العلاقات الاجتماعية من القوانين الطبيعية الأبدية المستقلة عن التاريخ، وأيضا من مادية العلاقات الاجتماعية بالمعنى الذي تتناول فيه العلاقات الاجتماعية ليس كمؤثرات بل كعلاقات اجتماعية فقط.

نجد تعريف الجوهر الإنساني على أنه يشير إلى :” مجموع العلاقات الاجتماعية” حيث ماركس في الأطروحة السادسة يعارض المقاربة المجردة والطبيعية التي قام بها فيورباخ .

(المجتمع لا يتكون من أفرد، فهو يعبر عن مجموع العلاقات، والظروف… وما إلى ذلك، حيث يجد هؤلاء الأفراد أنفسهم في علاقة ببعضهم البعض.) ماركس

هذه بعض الملاحظات التي كانت تهدف إلى إمكانية سحب خيط رفيع من داخل خيوط متشابكة من الأطروحات لمعالجة قضايا لازالت راهنة في تحليل العلاقات الاجتماعية، وهناك الكثير من الخيوط.

قراءة وترجمة: عبد الكريم وشاشا

المرجع: KARL MARX. LES THÈSES SUR FEUERBACH

Collection : « Mille Marxismes »

Auteur-e : Georges Labica

Parution : Avril 2014
Pages : 188
Format : 115 x 190
ISBN : 978-2-84950-413-0

——————–

هامش المترجم:

(إن مفهوم التسييق (contextualisant) قد حظي باهتمام بالغ من قبل علم الاجتماع الألسني، واثنوغرافية الاتصال، وغيرها، وبرز كمفهوم أساسي في إنتاج المعنى، هذا رغم التحذير من توظيفه كمرادف لوضع الاتصال، أو لصعوبة تحديده وتشخيصه على صعيد جغرافي حيث يتداخل المحلي والوطني والكوني. فالمعنى لا يستشف من خارج السياق، لأنه يساهم في صقل الدلالات بما هو متبادل في أثناء عملية الاتصال. إنه ثمرة مسار معقد ومتعدد، ووليد عملية بناء مشترك بين أطراف الاتصال ضمن سياق يؤثر بدوره في بنائه.) – السيميائيات وإستراتيجية وبناء المعنى ـ د. نصر الدين لعياضي / أنفاس من أجل الثقافة والإنسان.