نقاش أفسدته الإيديولوجيا

0
65

الكاتب: يزيد البركة

نقاش أفسدته الإيديولوجيا بعثر محمد بنصالح الأستاذ الجامعي المغربي ، كل أوراق الصحافي توفيق مجيد حول القانون الجديد الذي قدمته الحكومة الفرنسية لتعزيز العلمانية في فرنسا( هذا إذا لم يكن معد البرنامج يرغب في السر أن تبعثر أوراقه)؛ ورغم أنه لجأ إلى بث مقتطفات للمسؤول الفرنسي يؤكد أن القانون ليس ضد الأديان ولا ضد الإسلام ، بل ضد التطرف ونشر الكراهية … فقد تمكن الأستاذ من فرض مناقشة المقارنة بين العلمانية والإسلام وساعده على ذلك المشاركان الآخران الذان سقطا في فخه.

في الحقيقة لا تصح أصلا المقارنة بين العلمانية وأي دين، لأن هذه الأخيرة ليست دينا ولا حتى نظرية للحياة المجتمعية في كل تمظهراتها، بل فقط قانون يحتوي على عدد من الإجراءات تفصل بين الدين والدولة ، في حين ان عددا من القيم كانت قد فرضت نفسها وكنتيجة لثورة تنويرية. لكن محمد بنصالح أصر على نفي أي تعارض بين العلمانية والإسلام، وهذا تفسير متقدم في الحقيقة ولربما فاجأ به المشاركين الأستاذ صهيب بن الشيخ الذي لا يختلف في تصوراته عن هذا الرأي والأساذة هالة وردي، لذا لم يعترضا عليه بأن الموضوع المطروح للنقاش ليس بين العلمانية والإسلام أو أي دين ، بل توجه وتيار عريض ينشر التطرف والكراهية والعنف باسم الدين، لكن استمر النقاش في موضوع بعيد عن القانون وكان نقاشا عائما بدون محتوى.كان يمكن أن يكون ذلك النقاش الذي أراده محمد بنصالح في مناسبة أخرى، رغم أننا في الحقيقة لم نسمع الأسس التي يبني عليها تفسيره المتقدم هذا على أن الإسلام لا يعارض العلمانية ، وما يثير التخوف من أن هذا الكلام ليس الا إيديولوجيا هو اعتراضه على الأستاذة هالة وردي عندما طرحت المساواة بين الرجل والمرأة في الإسلام ورد عليها بأن هذه القضايا حميمية بين الرجل والمرأة لا يجب أن نتدخل فيها ! كيف ذلك حميمية ؟ هل المرأة المقضية من الإنتاج لها قدرة على أن تقول لا إذا كانت غير راغبة في زواج ما ؟ وهل الطفلة تملك قدرة لتقول لا وهل من المعقول أصلا أن نطرح هذا السؤال ؟ لكن على العموم يظهر أن الأستاذ يدرس تصورا للإسلام ربما متقدم ولكنه لم يقدمه ، وهذا تفسير ضمن عدد من التفاسير ، ولا يمكن ان نقر حتى من باب المجاملة أنه الوحيد الذي قرأ القرآن واستخلص منه تصورا واحداً ووحيدا للإسلام ، بينما ابن تيمية والمودودي والقرضاوي وعدد من فقهاء الوهابية لم يقرأوا القرآن او أنهم قرأوه ولم يفهموه، إن محاولة فرض قطيعة بين الدين والتدين غير سليمة ، ولا الإيحاء بأن ما يجري في الساحة وأمام أعيننا ليس اسلاما لو ادعى الإسلام. الموضوع الذي تحاول فرنسا أن تجد له حلا في بلادها ، ومع الأسف له صلات بما يجري في عدد من البلدان الإسلامية هو هذه الفورة القوية والغاضبة باسم الإسلام التي تسعى إلى فرض تنميطات للسلوك والتفكير بالعنف والتعصب وبنشر الكراهية . في البداية سميت هذا الفورة بالصحوة الإسلامية، لكن انتهت إلى تفريخ نماذج عنيفة في عدد من البلدان لها دعاتها وأبطالها ومنفذوها الميدانيين وكلهم ينهلون من القرآن والحديث، لا يعترفون بالمواطنة، بل بتقسيم بين المؤمن والكافر ، بين المسلم والذمي إذا كان من أهل الكتاب ومعه عهود ، بين الرجل القوام وبين المرأة التابعة والخدومة .. وبين تصور للحكم من خلال الدين على اعتبار ان الإسلام دين ودولة لا يمكن الفصل بينهما وبين ما تدعو اليه العلمانية من ضرورة الفصل . الموضوع معقد ويحتاج الى التأني في معالجته ولا يكفي القول ان الإسلام لا يعارض العلمانية حتى نقول آمين وتبقى دار لقمان على حالها، يجب ان ندرس الأسباب العميقة التي تدفع الأزهر مثلا الى ان يصدر فتاوي التكفير ضد كتاب ويمتنع عن اعتبار داعش والقاعدة كفارا؟. مع العلم انه لا يجب أن نغتر بالدعاية التي تقوم بها فرنسا نفسها دعما لقوانينها ، ومن الضروري فصل ما يطابق القيم مما ليس إلا إيديولوجيا باعتبارها تزييفا للواقع لا يسعى إلا إلى نثر غبار الأمل في نفوس الشعب الفرنسي المنهكة . لقد استمعت الى الندوة الصحفية للرئيس الفرنسي والرئيس المصري وبدا أنهما مختلفان حول القيم من هي الأعلى هي القيم الإنسانية أم القيم الدينية لقد اصر ماكرون على أن القيم الإنسانية هي الأعلى وأصر السيسي على ان القيم الدينية هي الأعلى ، لكن في الحقيقة كلامهما ليس الا أيديولوجيا لأن كل حكام فرنسا لا يطبقان القيم الإنسانية إلا بمقدار والحكام في البلدان الإسلامية منذ البداية لا يطبقون القيم الدينية إلا بمقدار بسيط جدا وأغلب الأحيان يطبقون عكسها، لذا من الصعب علينا ان نقتنع أنهما مختلفان على طبيعة الكرامة ، والحق ، والعدل ، والإنصاف، والرأفة ،والرحمة .. في القانون وفي الدين بل كل واحد منهما يغرد برسائل أيديولوجية للاستهلاك، بينما حياة الناس الواقعية في واد وهما يسبحان في واد آخر.